رأينا في الفصول السابقة أنّ السعر قد يبتعد عن القيمة، وأنّ المستثمر الحذر يشتري حين يكون الثمن أقلّ منها بهامشٍ واضح. يبقى السؤال الأصعب: ما هي القيمة نفسها؟ يخصّص بافيت لهذا السؤال مساحةً مهمّة في رسائله، ويفرّق بين رقمين كثيرًا ما يُخلط بينهما: ما تقوله دفاتر المحاسبة، وما يساويه العمل فعلًا.
القيمة تنظر إلى الأمام
يعرّف بافيت القيمة الجوهريّةالقيمة الحاليّة لمجموع النقد الذي يُتوقّع أن يولّده العمل لمالكيه في ما بقي من عمره، بعد خصم ما يتأخّر منه بالزمن؛ وهي تقديرٌ يتغيّر مع تغيّر الافتراضات لا رقمٌ دقيق. بأنّها ما يساويه اليوم كلّ النقد الذي سيخرج من العمل إلى أصحابه في المستقبل. الفكرة بسيطة في صياغتها صعبة في تطبيقها: عليك أن تقدّر ما سيكسبه العمل سنةً بعد سنة، ثمّ أن تتذكّر أنّ المال الذي يأتي بعد عشر سنوات أقلّ قيمةً من المال الذي يأتي اليوم. ولأنّ هذين التقديرين يتغيّران بتغيّر الافتراضات، يقرّ بافيت بأنّ القيمة الجوهريّة رقمٌ تقريبيّ، وأنّ شخصين عاقلين قد يختلفان فيها، بل إنّه هو نفسه قد يقدّرها بأرقامٍ مختلفة في أوقاتٍ مختلفة. وقد فصّل أسواث داموداران أدوات هذا التقدير في دليلنا لكتاب الكتاب الصغير في التقييم.
الدفاتر تنظر إلى الخلف
أمّا القيمة الدفتريّةصافي قيمة أصول الشركة كما تظهر في ميزانيّتها بعد طرح التزاماتها، أي ما وضعه المساهمون فيها وما احتجزته من أرباح بحسب القواعد المحاسبيّة؛ وهي تعكس الماضي أكثر ممّا تعكس القدرة على الكسب. فهي رقمٌ محاسبيّ يخبرك بما وُضع في العمل من مال: ما دفعه المساهمون وما احتجزته الشركة من أرباح، بعد طرح ما عليها من ديون. هذا الرقم مفيدٌ أحيانًا، وسهل المتابعة، لكنّه ينظر إلى الماضي. فمصنعٌ كلّف مئة مليون قد لا يكسب شيئًا إن تغيّرت حاجة الناس إلى منتجه، وعلامةٌ تجاريّة محبوبة قد لا تظهر في الدفاتر إلّا برقمٍ ضئيل وهي تولّد أرباحًا كبيرة كلّ عام.
مثال البستانين
لنوضّح الفكرة بمثالٍ من عندنا: بستانان متجاوران كلّف كلٌّ منهما صاحبه المبلغ نفسه، لنقل مليونًا، في الأرض والأشجار والريّ. في دفاتر المحاسبة يبدوان متساويين تمامًا. لكنّ الأوّل في تربةٍ خصبة ويقرب من سوقٍ يشتري ثماره بسعرٍ جيّد، فيدرّ على صاحبه مئة ألفٍ كلّ عام، والثاني في أرضٍ فقيرة الماء لا يكاد يغطّي نفقاته. أيّ مشترٍ عاقل سيدفع في الأوّل أضعاف ما يدفعه في الثاني، رغم تطابق الرقم المسجّل لهما. كذلك الشركات: ما أُنفق فيها لا يحدّد ما تساويه، بل يحدّده ما ستدرّه على أصحابها.
لماذا يتابع بافيت الرقمين معًا؟
رغم ذلك يذكر بافيت القيمة الدفتريّة في رسائله بوصفها مؤشّرًا تقريبيًّا يمكن تتبّعه، لأنّها رقمٌ موضوعيّ في حين أنّ القيمة الجوهريّة تقديرٌ شخصيّ. لكنّه يحذّر من الخلط بينهما، ويرى أنّ الفجوة بينهما في الأعمال الجيّدة قد تتّسع كثيرًا لصالح القيمة الجوهريّة. ويتّصل هذا بمقاييس أخرى يستعملها المستثمرون مثل مكرّر الربحيّة: كلّها أدواتٌ مختصرة تساعد على التفكير، ولا تغني عن السؤال الأصليّ: كم من النقد سيعود إلى المالك، ومتى؟
عرفنا في هذا الفصل الفرق بين القيمة التي تُقدَّر والقيمة التي تُسجَّل. في الفصل التالي نذهب أعمق داخل الأرقام، ونرى لماذا يدعو بافيت إلى الشكّ في الأرباح المعلنة ويقترح بدلًا منها ما يسمّيه أرباح المالك. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاستثماريّ لا توصياتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.