يرى بافيت أنّ أهمّ ما يفعله المدير على المدى الطويل ليس إدارة العمليّات اليوميّة، بل قرارٌ يتكرّر كلّ عام دون أن ينتبه إليه كثيرون: ماذا نفعل بالمال الذي ربحناه؟ فالشركة الناجحة تولّد نقدًا عامًا بعد عام، ومجموع هذا النقد بعد عقدٍ أو عقدين قد يفوق كلّ ما كان فيها عند البداية. فإن أُحسن توجيهه تضاعفت قيمة العمل، وإن أُسيء ضاع جزءٌ كبير من ثمرة سنوات العمل الجيّد.
المال المحتجز ملكٌ للمساهمين
حين تحقّق الشركة ربحًا فهي أمام طريقين: أن تعيده إلى مالكيها في صورة توزيعات أرباح، أو أن تبقيه لديها لتستثمره. يسمّى الجزء الذي تبقيه الأرباح المحتجزةالجزء من صافي ربح الشركة الذي لا يُوزَّع على المساهمين بل يُعاد استثماره في أعمالها أو يُحتفظ به؛ هو مالٌ يملكه المساهمون لكنّ الإدارة تقرّر طريقة استعماله.، ويذكّر بافيت بأنّ هذا المال ليس هديّةً للإدارة، بل هو مال المساهمين تركوه في عهدتها. ومن هنا يجب أن يُحاسَب قرار احتجازه كما يُحاسَب أيّ استثمارٍ آخر: هل سيجلب لأصحابه أكثر ممّا كانوا سيحصلون عليه لو أخذوه وتصرّفوا فيه بأنفسهم؟
اختبارٌ بسيط للاحتجاز
يقترح الكتاب، بعبارةٍ نعيد صوغها، اختبارًا عمليًّا للحكم على الإدارة: انظر إلى مجموع ما احتجزته الشركة على مدى سنواتٍ طويلة، ثمّ انظر إلى ما أضافته من قيمةٍ للمالكين خلال المدّة نفسها. فإن كان كلّ مبلغٍ محتجز قد صار يساوي أكثر منه، فقد أحسنت الإدارة الاحتجاز. وإن كانت الشركة قد احتجزت، لنقل، مئة مليون على مدى عشر سنوات ثمّ لم تزد قيمتها إلّا ستّين مليونًا، فقد كان المساهمون أحقّ بذلك المال. الاختبار لا يُطبّق على عامٍ واحد لأنّ مزاج السوق يشوّه الصورة في المدى القصير، لكنّه على المدى الطويل يكشف الكثير. وأساسه فكرة تكلفة الفرصة البديلة: كلّ مالٍ يبقى في الشركة هو مالٌ حُرم صاحبه من استعمالٍ آخر.
بين النموّ المفيد والنموّ المكلف
ليس كلّ نموٍّ خيرًا للمالكين. فالشركة التي تضخّ أموالًا كثيرة في عملٍ ضعيف العائد قد تكبر حجمًا وتصغر قيمة. ولهذا يفرّق بافيت بين شركاتٍ تستطيع أن تستثمر المال الإضافيّ بعائدٍ مرتفع، فيكون احتجازه منطقيًّا، وشركاتٍ لا تملك فرصًا كهذه، فيكون الأنفع أن تعيد المال إلى أصحابه. وتبرز هنا فكرة تخصيص رأس المالالقرارات التي تحدّد أين يذهب مال الشركة: إعادة الاستثمار في العمل، أو الاستحواذ، أو سداد الديون، أو التوزيع على المساهمين، أو إعادة شراء الأسهم؛ وجودتها من أهمّ ما يُحكم به على الإدارة. بوصفها مهارةً مستقلّة؛ فقد يكون المدير بارعًا في التشغيل والتسويق، ثمّ يخفق في توجيه المال لأنّه لم يتدرّب على هذا النوع من القرارات أصلًا.
إعادة شراء الأسهم: الثمن هو كلّ شيء
من طرق إعادة المال إلى المساهمين أن تشتري الشركة جزءًا من أسهمها. يرى بافيت أنّ هذا القرار مفيدٌ للباقين حين يتمّ بسعرٍ أقلّ بوضوح من قيمة العمل، لأنّ حصّة كلّ واحدٍ منهم تكبر دون أن يدفع شيئًا. أمّا حين يتمّ بثمنٍ مبالغ فيه، أو لمجرّد تحسين صورة الأرقام، فإنّه ينقل القيمة من المساهمين الباقين إلى من باعوا. القرار نفسه قد يكون حكيمًا أو مكلفًا، والفيصل هو الثمن مقارنةً بالقيمة.
عرفنا في هذا الفصل كيف يحكم بافيت على قرار المال داخل الشركة. في الفصل التالي نخرج إلى السوق نفسه، ونتعرّف على الشخصيّة التي استعارها من أستاذه غراهام: السيّد «السوق»، ومعها فكرة هامش الأمان. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاستثماريّ لا توصياتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.