إذا كان الفصل الأوّل قد رسم العلاقة بين المساهم والشركة بوصفها شراكة، فإنّ هذا الفصل يسأل السؤال التالي طبيعيًّا: من يدير هذه الشراكة، وكيف نتأكّد أنّه يديرها لصالح أصحابها؟ يخصّص بافيت في رسائله مساحةً واسعة لما يُعرف بحوكمة الشركات، ويتعامل معها لا بوصفها إجراءاتٍ قانونيّة جافّة، بل بوصفها مسألة ثقةٍ ونزاهةٍ وحوافز.
الوكيل وصاحب المال
في كلّ شركةٍ مساهمة كبيرة يملك المال آلافُ الناس ويديره قلّةٌ منهم. وهنا ينشأ ما يسمّيه الاقتصاديّون تعارض المصالححالةٌ يكون فيها لمن يتّخذ القرار مصلحةٌ شخصيّة قد تفترق عن مصلحة من يتّخذ القرار نيابةً عنه، كأن يفضّل المدير مكافأته أو بقاءه في منصبه على مصلحة المالكين.: قد يميل المدير إلى توسيع الشركة لأنّ الشركة الأكبر تمنحه مكانةً أكبر، أو إلى مكافآتٍ سخيّة لا يقابلها إنجاز، أو إلى تجنّب الاعتراف بخطأٍ يكلّفه منصبه. لا يفترض بافيت سوء النيّة في الجميع، لكنّه يرى أنّ النظام الجيّد لا يعتمد على حسن النيّة وحده، بل يضع الحوافز في المكان الصحيح.
دور المجلس: رقيبٌ لا مصفّق
يفترض أن يكون مجلس الإدارةهيئةٌ ينتخبها المساهمون لتمثيلهم في الإشراف على الإدارة التنفيذيّة؛ من مهامّها تعيين الرئيس التنفيذيّ ومراجعة أدائه وتحديد مكافأته ومراقبة القرارات الكبرى. عين المالكين داخل الشركة، لكنّ الكتاب يلاحظ أنّ كثيرًا من المجالس يغلب عليها الودّ والمجاملة، فيصعب على أعضائها أن يعترضوا على رئيسٍ تنفيذيّ يجلسون معه على الطاولة نفسها. لذلك يفضّل بافيت أعضاءً يملكون حصصًا معتبرة من أموالهم الخاصّة في الشركة، ويفهمون طبيعة العمل، ويتحلّون بالاستقلال الكافي ليقولوا «لا» حين يلزم. فالعضو الذي يخسر من ماله إن أخطأت الإدارة يفكّر بعين المالك لا بعين الضيف.
مديرون يتصرّفون كأنّهم يملكون
يصف بافيت المدير المثاليّ بأنّه من يدير الشركة كما لو كانت ملكه الوحيد الذي سيورّثه لأبنائه، فلا يبيعها بثمنٍ بخس ولا يبدّد مالها في صفقاتٍ للتباهي. ويؤكّد أنّ اختيار الأشخاص المناسبين ثمّ منحهم استقلالًا واسعًا أنفع من مراقبة كلّ تفصيلٍ صغير. وهي فكرةٌ قريبة ممّا يركّز عليه فيليب فيشر في تقييم جودة الإدارة ونزاهتها، كما شرحنا في دليلنا لكتاب الأسهم العاديّة والأرباح غير العاديّة.
المكافأة العادلة
لا يعارض الكتاب مكافأة المديرين على الأداء، بل يعارض المكافأة على ما لم يصنعوه. فإن ارتفع السوق كلّه لم يكن ذلك إنجازًا لمديرٍ بعينه، وإن زادت أرباح الشركة لمجرّد أنّها احتجزت مزيدًا من المال فذلك أيضًا ليس إنجازًا؛ إذ يمكن لأيّ حسابٍ مصرفيّ أن يكبر إن أضفت إليه. المكافأة العادلة في نظره ترتبط بما يتحكّم فيه المدير فعلًا، وتحتسب عليه ثمن رأس المال الذي استخدمه. مثال ذلك بأرقامٍ تقريبيّة: مديرٌ تسلّم وحدةً يعمل فيها مليون وحقّق بها ربحًا قدره مئة ألف، أداؤه يختلف تمامًا عن مديرٍ حقّق الربح نفسه بعشرة ملايين.
عرفنا في هذا الفصل كيف ينظر بافيت إلى من يدير الشراكة. في الفصل التالي نصل إلى أهمّ مهامّ هذه الإدارة في رأيه: تخصيص رأس المال، وكيف نحكم على قرار احتجاز الأرباح أو توزيعها. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاستثماريّ لا توصياتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.