تحدّثنا في الفصلين السابقين عن أدواتٍ تعتمد على أرقام الدفاتر. وفي هذا الفصل ننتقل إلى إشارةٍ ذات طبيعةٍ مختلفة: سلوك الأشخاص الذين يعرفون الشركة من الداخل. فالكتاب يلفت النظر إلى أنّ المديرين وأعضاء مجالس الإدارة حين يشترون أسهم شركاتهم بأموالهم الخاصّة، فإنّهم يقولون شيئًا بأفعالهم لا بكلماتهم. لكنّنا نقرأ هذه الفكرة هنا بحذرٍ شديد، لأنّها من أكثر الأفكار عرضةً لسوء الاستعمال.
من هم المطّلعون؟
المطّلعونأشخاصٌ تتيح لهم مناصبهم الاطّلاع على معلوماتٍ عن الشركة قبل الجمهور، كالمديرين التنفيذيّين وأعضاء مجلس الإدارة وكبار المساهمين. وتُلزمهم أنظمة الأسواق في معظم البلدان بالإفصاح عن تعاملاتهم في أسهم الشركة خلال مدّةٍ محدّدة. هم من تتيح لهم مناصبهم معرفةً أعمق بالشركة: كيف تسير المبيعات، وما الذي يقلق الإدارة، وما الذي تعمل عليه في الخفاء. وتفرض أنظمة الأسواق في كثيرٍ من البلدان على هؤلاء أن يفصحوا عن شرائهم وبيعهم لأسهم الشركة، وتمنعهم من التعامل بناءً على معلوماتٍ جوهريّة لم تُعلَن بعد. والإفصاحات المنشورة هي ما يمكن للمستثمر العاديّ أن يطّلع عليه، ويختلف ذلك تمامًا عن التداول بناءً على معلوماتٍ داخليّة مسرّبة، وهو مخالفةٌ قانونيّة صريحة.
لماذا يهتمّ مستثمر القيمة بشرائهم؟
الفكرة بسيطة: لا أحد يعرف الشركة كأهلها. فإن كان سعر السهم منخفضًا، وبدأ عددٌ من المديرين يشترونه بأموالهم الخاصّة، فقد يكون ذلك لأنّهم يرون أنّ السوق يبالغ في تشاؤمه. والشراء هنا أقوى دلالةً من التصريحات المتفائلة في المؤتمرات، لأنّه يعرّض مال صاحبه للخسارة. وتزداد الإشارة قوّةً حين يشتري أكثر من شخصٍ في الفترة نفسها، وحين تكون المبالغ كبيرةً قياسًا إلى ثرواتهم أو رواتبهم، وحين يأتي الشراء بعد انخفاضٍ طويل لا بعد ارتفاعٍ حادّ.
إشارةٌ للبحث لا زنادٌ للشراء
مع ذلك، يجب أن نكون واضحين: شراء المطّلعين لا يعني أنّ السهم سيرتفع، ولا يغني عن أيّ خطوةٍ من خطوات التحليل. فالمديرون بشرٌ يخطئون، وقد يكونون متفائلين بطبعهم تجاه شركاتهم، وقد يشترون لإرسال رسالة طمأنةٍ إلى السوق أكثر من قناعتهم بالقيمة. والطريقة الصحيحة لاستعمال هذه المعلومة أن تكون سببًا لفتح ملفّ الشركة، ثمّ يمرّ الملفّ بالفحص نفسه الذي تمرّ به أيّ فكرة: هل السعر منخفضٌ قياسًا إلى القيمة؟ وهل الميزانيّة سليمة؟ وهل هناك هامش أمانٍ كافٍ؟ ويحذّر درس فخّ الإشارات المجّانيّة من تحويل أيّ معلومةٍ منفردة إلى أمر شراء.
البيع إشارةٌ أضعف
قد يبدو منطقيًّا أن يكون بيع المطّلعين إشارةً سلبيّة بالقدر نفسه، لكنّ الواقع أكثر تعقيدًا. فللبيع أسبابٌ كثيرة لا علاقة لها برأي البائع في شركته: قد يحتاج إلى سيولةٍ لشراء منزل أو تعليم أبنائه، وقد يريد تنويع ثروةٍ متركّزة كلّها في شركةٍ واحدة، وقد يبيع ضمن خطّةٍ مجدولة مسبقًا. أمّا الشراء بمالٍ خاصّ، فقلّما يكون له دافعٌ غير القناعة بأنّ السعر جذّاب. ولهذا يعطي الممارسون الشراء وزنًا أكبر من البيع، مع الحذر من الإفراط في قراءة أيٍّ منهما.
مثالٌ توضيحيّ: إعادة شراء الأسهم
تشبه هذه الإشارة من بعض الوجوه قرار الشركة نفسها شراء أسهمها من السوق. تخيّل شركةً افتراضيّة تملك نقدًا وفيرًا، وسهمها منخفضٌ منذ سنتين، فقرّرت إدارتها استعمال جزءٍ من هذا النقد في شراء أسهمها. إن كان السعر أدنى فعلًا من القيمة، فهذا يزيد حصّة كلّ مساهمٍ باقٍ في الأرباح المستقبليّة. لكن إن كانت الإدارة تشتري بأسعارٍ مرتفعة لمجرّد رفع ربح السهم في المدى القصير، أو بأموالٍ مقترضة، فقد يكون القرار مضرًّا. فالسؤال دائمًا واحد: بأيّ سعرٍ قياسًا إلى القيمة؟ والمثال من عندنا للتوضيح.
في الفصل التالي نوسّع الدائرة جغرافيًّا: لماذا يدعو الكتاب إلى البحث عن القيمة خارج السوق المحلّيّة، وما الذي يجب أن يعرفه المستثمر قبل أن يعبر الحدود. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الاستثمار لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.