من الأفكار التي يتميّز بها هذا الكتاب عن كثيرٍ من كتب القيمة الموجّهة إلى المبتدئين أنّه يدعو صراحةً إلى النظر خارج السوق المحلّيّة. فالكاتب عمل في شركةٍ كانت من الروّاد في تطبيق منهج القيمة على أسواقٍ متعدّدة، ويرى أنّ المنطق نفسه الذي يقود المستثمر إلى البحث في الأسهم المهملة محلّيًّا يقوده إلى البحث في الأسواق المهملة عالميًّا. وفي هذا الفصل نعرض الفكرة وفوائدها، ثمّ نعرض بالقدر نفسه من الاهتمام مخاطرها الخاصّة.
عالمٌ أوسع من سوقٍ واحدة
السوق المحلّيّة، مهما كانت كبيرة، ليست إلّا جزءًا من أسواق العالم. ومن يقصر بحثه عليها يقصر نفسه على عددٍ محدود من الشركات والصناعات. ثمّ إنّ الأسواق المختلفة لا تمرّ بدوراتها في الوقت نفسه: فقد تكون سوقٌ ما في ذروة التفاؤل والتقييمات المرتفعة، بينما سوقٌ أخرى تعيش ركودًا ونفورًا جماعيًّا من الأسهم. ومستثمر القيمة، بطبيعة منهجه، ينجذب إلى المكان الذي ينفر منه الآخرون. وتعرض صفحات الأسواق العربيّة مثالًا على أسواقٍ تختلف ظروفها ودوراتها عن الأسواق العالميّة الكبرى.
التنويع الجغرافيّ
إلى جانب زيادة عدد الفرص، يجلب الاستثمار عبر الحدود فائدةً أخرى: تخفيف الاعتماد على اقتصادٍ واحد. فإن تعرّضت بلدك لركودٍ أو أزمةٍ مصرفيّة أو تغيّرٍ تنظيميّ مفاجئ، فإنّ وظيفتك ومنزلك ومدّخراتك قد تتأثّر جميعًا في الوقت نفسه إن كانت كلّها مرتبطةً بالاقتصاد نفسه. وتوزيع جزءٍ من الاستثمارات على اقتصاداتٍ أخرى قد يخفّف هذا التركّز. ويشرح درس التنويع ببساطة المبدأ العامّ، ويبيّن درس الارتباط بين الأصول لماذا يتراجع أثر التنويع حين تتحرّك الأسواق معًا في الأزمات الكبرى.
مخاطر العملة
أوّل ما يجب أن يفهمه من يستثمر في الخارج أنّ عائده يتكوّن من طبقتين: حركة السهم في عملته المحلّيّة، وحركة تلك العملة أمام عملة المستثمر. ومثالنا التوضيحيّ: مستثمرٌ اشترى سهمًا في بلدٍ آخر، فارتفع السهم بعملته المحلّيّة خمسة عشر في المئة خلال سنة، لكنّ تلك العملة انخفضت أمام عملة المستثمر عشرين في المئة. النتيجة أنّه خسر بعملته رغم ارتفاع السهم. والعكس ممكنٌ أيضًا. ويختلف الأمر في البلدان التي تربط عملتها بعملةٍ أخرى، ويشرح درس ربط العملة ما يعنيه ذلك وما حدوده.
المحاسبة والحوكمة والسيولة
لا تقتصر المخاطر الإضافيّة على العملة. فالمعايير المحاسبيّة تختلف بين البلدان، فقد يعني الرقم نفسه شيئًا مختلفًا في دفاتر شركتين من بلدين مختلفين، ممّا يجعل مقارنة القيمة الدفتريّة أو الأرباح أصعب. ثمّ هناك الحوكمةمجموعة القواعد والممارسات التي تحكم علاقة إدارة الشركة بمساهميها ومجلس إدارتها والجهات الرقابيّة، وتحدّد مدى الشفافيّة في الإفصاح وحماية حقوق صغار المساهمين.: ففي بعض الأسواق تكون حقوق صغار المساهمين أقلّ حمايةً، وقد تتحكّم عائلةٌ أو جهةٌ واحدة في الشركة فتقدّم مصالحها على مصالح الآخرين. وهناك أيضًا السيولة، إذ قد يصعب بيع أسهم الشركات الصغيرة في الأسواق الناشئة بسرعة دون التأثير في سعرها. وهذه المخاطر تبرّر طلب هامش أمانٍ أوسع في الأسواق الأقلّ شفافيّة.
رخصٌ قد يكون له سبب
كما أنّ السهم الرخيص محلّيًّا قد يكون رخيصًا لسببٍ وجيه، فإنّ السوق الرخيصة عالميًّا قد تكون رخيصةً بسبب مخاطر سياسيّة أو تضخّمٍ مرتفع أو ضعفٍ في حماية المستثمرين. فالرخص وحده ليس حجّة، والسؤال هو نفسه في كلّ مكان: هل الخصم أكبر من المخاطر الإضافيّة؟ ويذكّر درس القوّة الشرائيّة بأنّ التضخّم المرتفع في بلدٍ ما قد يأكل العوائد الاسميّة التي تبدو جذّابة.
بعد أن وسّعنا دائرة البحث، نعود في الفصل التالي إلى أخطر ما يواجه مستثمر القيمة في أيّ سوق: فخّ القيمة، أي السهم الذي يبدو رخيصًا ويبقى كذلك أو يزداد رخصًا، وكيف تساعد قراءة الميزانيّة على تجنّبه. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الاستثمار لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.