يمكن لمستثمرٍ أن يفهم الارتباط والحدّ الكفء والتكاليف فهمًا ممتازًا، ثمّ يُفسد كلّ ذلك بقرارٍ واحد في لحظة ذعر. ولهذا يرى بيرنستين أنّ الجزء الأصعب من توزيع الأصول ليس الحساب بل السلوك، وأنّ أكبر خطرٍ على المحفظة كثيرًا ما يكون صاحبها نفسه.
فجوةٌ بين عائد الأداة وعائد المستثمر
تكشف دراساتٌ عديدة أنّ متوسّط ما يحقّقه المستثمرون فعلًا يقلّ عن متوسّط عائد الصناديق التي يستثمرون فيها. والسبب ليس الصناديق بل توقيت دخول المال وخروجه: فالمال يتدفّق بغزارة بعد فترات الصعود، ويهرب بعد فترات الهبوط. ويسمّى هذا الفرق فجوة السلوكالفارق بين العائد الذي تحقّقه أداةٌ استثماريّة على مدى فترةٍ ما والعائد الذي يحقّقه مستثمروها فعلًا، بسبب توقيت إضافاتهم وسحوباتهم، وهو يميل إلى السلب حين يشترون بعد الصعود ويبيعون بعد الهبوط.. فالأداة قد تحقّق عائدًا جيّدًا عبر عشر سنوات، بينما يخرج كثيرٌ من مستثمريها بنتيجةٍ أضعف لأنّهم لم يبقوا فيها حين كانت تستحقّ البقاء.
ملاحقة الأداء
أوّل الأخطاء التي يتوقّف عندها الكتاب هو ملاحقة الأداءنقل المال إلى الأصول أو الأساليب أو الصناديق التي تفوّقت مؤخّرًا، افتراضًا بأنّ تفوّقها سيستمرّ، ممّا يقود غالبًا إلى الشراء بعد الصعود والبيع بعد الهبوط.. فالفئة التي تصدّرت قوائم السنوات الثلاث الأخيرة تجذب الأنظار والمال، والفئة المتأخّرة تبدو عبئًا ينبغي التخلّص منه. لكنّ فئات الأصول تتبادل الأدوار، وما تأخّر طويلًا قد يكون هو ما يحتاجه التنويع بالضبط. ويتّصل هذا بما يسمّى الخوف من تفويت الفرصة، ويشرحه درس الخوف من فوات الفرصة في أكاديميّة أُسس.
التخلّي عن الخطّة بعد الخسائر
الخطأ الثاني أشدّ ضررًا: أن يبني المستثمر محفظةً في أوقات الهدوء، ثمّ يكتشف في أوّل هبوطٍ حادّ أنّه لا يحتملها، فيبيع قرب القاع. وهنا يتحوّل الهبوط المؤقّت إلى خسارةٍ دائمة. والفكرة هنا أنّ تحمّل المخاطرة على الورق شيء، وتحمّلها حين ترى ثلث مدّخراتك يتبخّر شيءٌ آخر تمامًا. ولذلك يحسن بالمستثمر أن يتخيّل بصدق كيف سيتصرّف لو هبطت محفظته بقدرٍ كبير، قبل أن يختار حصّة الأسهم فيها. ويشرح دليل سيكولوجيّة المال كيف تتحكّم المشاعر في قراراتنا الماليّة أكثر ممّا نظنّ، ويعرض دليل التفكير السريع والبطيء جذور هذه التحيّزات.
أدواتٌ لحماية المستثمر من نفسه
يقترح الكتاب، بمعنى عامّ، أن ينقل المستثمر قراراته من لحظة الانفعال إلى لحظة الهدوء: أن يكتب خطّته مسبقًا، فيحدّد التوزيع المستهدف وقواعد إعادة التوازن وما سيفعله عند الهبوط، ثمّ يلتزم بها. وأن يقلّل متابعة الأسعار اليوميّة التي تضخّم الإحساس بالخسارة. وأن يختار محفظةً أقلّ جرأةً قليلًا ممّا يظنّ أنّه يحتمل، لأنّ الخطّة المتواضعة التي يلتزم بها خيرٌ من خطّةٍ طموحة يتخلّى عنها.
رأينا في هذا الفصل أنّ الانضباط شرطٌ لنجاح أيّ توزيع. في الفصل التالي نجمع الخيوط كلّها لنرى المبادئ العامّة التي يُبنى عليها توزيعٌ شخصيّ بحسب الأفق الزمنيّ وتحمّل المخاطرة، دون أيّ نِسَبٍ جاهزة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في توزيع الأصول وإدارة المخاطر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.