من أوائل الأنماط التي لفتت انتباه ثالر، وصارت من أشهر مفاهيم الاقتصاد السلوكيّ، أنّ الناس لا يقدّرون الأشياء تقديرًا واحدًا في كلّ الأحوال، بل يتغيّر تقديرهم بحسب موقعهم منها: هل هم بائعون أم مشترون؟ وفي هذا الفصل نشرح هذا النمط بلغتنا، ونصله بما يحدث في المحافظ الاستثماريّة.
فجوةٌ لا يعرفها الإنسان الاقتصاديّ
في النظريّة التقليديّة، إن كان شيءٌ ما يساوي عندك مبلغًا معيّنًا، فأنت مستعدٌّ لشرائه بأيّ سعرٍ أقلّ منه، ولبيعه بأيّ سعرٍ أعلى منه، والرقمان متقاربان جدًّا. لكنّ ما يحدث عند البشر مختلف: فالسعر الذي نطلبه لبيع ما نملك يكون في الغالب أعلى بوضوحٍ من السعر الذي كنّا سنقبل دفعه لشرائه. هذه الفجوة تسمّى أثر الملكيّةميل الناس إلى تقدير ما يملكونه بأكثر ممّا كانوا سيدفعون للحصول عليه لو لم يكن لهم، فتنشأ فجوةٌ بين سعر البيع المطلوب وسعر الشراء المقبول للشيء نفسه.، وهو يعني أنّ مجرّد امتلاك الشيء يرفع قيمته في أعيننا، حتّى لو لم يتغيّر فيه شيء.
الجذر النفسيّ: الخسارة تؤلم أكثر
يربط الكتاب هذا الأثر بفكرةٍ أعمق هي النفور من الخسارةميلٌ نفسيّ يجعل ألم الخسارة أشدّ من لذّة ربحٍ يساويها في المقدار، فيتصرّف الناس بطرقٍ تتجنّب الشعور بالخسارة حتّى حين يكون ذلك مكلفًا.. فحين نتخلّى عن شيءٍ نملكه نشعر بأنّنا نخسره، وحين نحصل على شيءٍ جديد نشعر بأنّنا نربحه، والخسارة في ميزاننا النفسيّ أثقل من ربحٍ يساويها. ولذلك نطلب تعويضًا أكبر حين نبيع. وتتفرّع من هذه الفكرة ظاهرةٌ قريبة: التمسّك بالوضع القائم، أي الميل إلى إبقاء الأمور على حالها لأنّ أيّ تغييرٍ يعني التخلّي عن شيءٍ ما. ويعرض درس سيكولوجيّة التراجع كيف يظهر هذا الألم حين تنخفض قيمة المحفظة.
أثر الملكيّة في المحفظة
في الاستثمار يظهر هذا الأثر بأشكالٍ مألوفة. فالمستثمر قد يحتفظ بسهمٍ لسنواتٍ لا لأنّه ما زال مقتنعًا به، بل لأنّه «سهمه»، أو لأنّه ورثه، أو لأنّه بذل جهدًا في دراسته. وقد يرفض بيع أصلٍ بسعرٍ كان سيرفض شراءه به لو لم يملكه. والنتيجة محفظةٌ تحمل مراكز لا تعكس قناعات صاحبها الحاليّة، بل تعكس تاريخه معها. وهنا تظهر أهمّيّة مفهوم تكلفة الفرصة البديلة: فالمال المحبوس في أصلٍ لا نقتنع به هو مالٌ لا نستعمله في بديلٍ نقتنع به أكثر.
مثالٌ توضيحيّ من عندنا
تخيّل مستثمرةً افتراضيّة تملك منذ سنواتٍ أسهمًا في شركةٍ محلّيّة تبلغ قيمتها اليوم نحو عشرين ألفًا. حين تسأل نفسها «هل أبيع؟» تشعر بالتردّد، وتتذكّر أنّها اشترتها في ظروفٍ خاصّة. لكن لو غيّرت السؤال إلى: «لو كان في حسابي اليوم عشرون ألفًا نقدًا، هل كنت سأشتري بها هذه الأسهم نفسها بهذا الحجم؟» فقد يأتي الجواب مختلفًا تمامًا. والسؤالان متكافئان في الحساب، لأنّ الاحتفاظ بالسهم يعادل شراءه من جديد بقيمته الحاليّة، لكنّهما مختلفان في الشعور. والمثال افتراضيّ، والأرقام فيه للتوضيح فقط، والغرض منه أداةُ تفكير لا دعوةٌ إلى البيع أو الشراء.
كيف نخفّف هذا الأثر دون أن نلغيه؟
لا يدّعي الكتاب أنّ الوعي بالانحياز يكفي لإزالته، فنحن نبقى بشرًا. لكنّ بعض العادات تساعد: أن نراجع المحفظة دوريًّا بعين المشتري لا المالك، وأن نكتب سبب الاحتفاظ بكلّ مركزٍ كما نكتب سبب شرائه، وأن نعتمد قاعدةً مكتوبة لإعادة التوازن تُطبَّق بصرف النظر عن مشاعرنا تجاه أصلٍ بعينه. ويشرح درس إعادة التوازن كيف تحوّل القاعدة المسبقة قرار البيع من معركةٍ نفسيّة إلى إجراءٍ هادئ، كما يساعد دفتر التداول على تذكّر الأسباب الأصليّة لكلّ قرار.
رأينا في هذا الفصل كيف تغيّر الملكيّة تقديرنا للأشياء. وفي الفصل التالي نتناول مفهومًا أوسع يفسّر كثيرًا من سلوكنا مع المال: الحسابات الذهنيّة، أي الطريقة التي نقسّم بها أموالنا إلى جيوبٍ وميزانيّات لا تتبادل فيما بينها. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الاقتصاد السلوكيّ لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.