تحدّثنا حتّى الآن عن المتوقّع الفرد. لكنّ الكتاب يخصّص مساحةً مهمّة للجماعات، فيسأل: هل يتوقّع الناس أفضل حين يعملون معًا، أم أنّ الجماعة تزيد الأخطاء؟ والجواب كما سنرى: يتوقّف ذلك على طريقة عملها.
فكرة حكمة الحشود
لوحظ منذ زمنٍ طويل أنّ متوسّط تقديرات عددٍ كبير من الناس لكمّيّةٍ ما يكون في أحيانٍ كثيرة أقرب إلى الحقيقة من تقدير معظمهم منفردين. والسبب أنّ كلّ فردٍ يملك جزءًا من المعلومة وجزءًا من الخطأ، فإذا كانت الأخطاء متنوّعة الاتّجاهات ألغى بعضها بعضًا، وبقي ما يشترك فيه الجميع من معلومة. وهذه الفكرة التي تُعرف بـ«حكمة الحشود» هي أساس ما يسمّيه الباحثون تجميع التوقّعاتجمع تقديراتٍ احتماليّة من عدّة أشخاصٍ أو مصادر في تقديرٍ واحد، بأخذ متوسّطها أو بطريقةٍ مرجّحة، للاستفادة من تنوّع المعلومات وتعادل الأخطاء الفرديّة.. ويرى الكتاب أنّ الجمع بين تقديرات عدّة متوقّعين جيّدين يتفوّق في الغالب على أفضلهم منفردًا، بشرط أن تُحفظ استقلاليّة كلٍّ منهم.
مثالٌ توضيحيّ من عندنا
معلّمٌ يضع في الصفّ وعاءً زجاجيًّا مملوءًا بحبّات الفول، ويطلب من ثلاثين طالبًا أن يكتب كلٌّ منهم تقديره لعددها في ورقةٍ دون أن يرى أوراق زملائه. تتباعد التقديرات كثيرًا، لكنّ متوسّطها يقترب من العدد الحقيقيّ أكثر من معظم التقديرات الفرديّة. ثمّ يكرّر التجربة مع صفٍّ آخر، لكنّه هذه المرّة يسمح لأعلى الطلّاب صوتًا بأن يعلن تقديره أوّلًا. فتتقارب التقديرات حول رقمه، ويبتعد المتوسّط عن الحقيقة إن كان هو مخطئًا. والمثال افتراضيّ، لكنّه يوضّح أنّ الحكمة الجماعيّة تحتاج إلى استقلال، وأنّ الصوت المهيمن قد يفسدها.
الفرق: ميزاتٌ وفخاخ
يعرض الكتاب كيف يمكن لفرق المتوقّعين أن تتفوّق على الأفراد، لأنّ الأعضاء يتبادلون المعلومات، ويكشف بعضهم أخطاء بعض، ويقدّم كلٌّ منهم زاويةً مختلفة. لكنّه ينبّه إلى فخٍّ معروف هو التفكير الجماعيّ: أن يتحوّل الانسجام إلى هدف، فيكتم الأعضاء اعتراضاتهم حفاظًا على الودّ، أو يتبعون القائد أو الأكثر ثقة، فتخرج الجماعة بقرارٍ أسوأ من قرار أفرادها. والفريق الجيّد في نظر الكتاب يجمع بين الاحترام والصراحة: يرحّب بالاختلاف المبنيّ على الأدلّة، ويسأل عن الحجّة لا عن صاحبها، ويطلب من كلّ عضوٍ أن يسجّل تقديره قبل أن يسمع غيره. كما يناقش الكتاب أهمّيّة القيادة التي تحدّد الهدف بوضوح وتترك للأعضاء حرّيّة التفكير في الطريق.
ما يعنيه ذلك لمتعلّم الأسواق
السوق نفسه آليّةٌ ضخمة لتجميع التقديرات، والسعر في كلّ لحظةٍ هو حصيلة آراء ملايين المشاركين وأموالهم. وهذا أحد أسباب صعوبة التفوّق عليه في التوقّع، فأيّ معلومةٍ يعرفها كثيرون تكون غالبًا قد انعكست في السعر. لكنّ الأسواق تكشف أيضًا الوجه الآخر للحشود: حين يفقد المشاركون استقلالهم، ويتبعون بعضهم بعضًا بدافع الخوف من تفويت الفرصة أو الذعر، تتحوّل الحكمة إلى قطيعٍ يضخّم الخطأ، وتنشأ الفقاعات والانهيارات. ويعرض دليل الأوهام الشعبيّة وجنون الحشود نماذج تاريخيّة لهذا الانقلاب، ويشرح درس الخوف من تفويت الفرصة كيف يُفقد هذا الدافع المرء استقلال حكمه.
رأينا قوّة الجماعة وحدودها. في الفصل الأخير نصل إلى السؤال الذي يختم به الكتاب: ما الحدود التي لا يتجاوزها أيّ متوقّع، مهما كان بارعًا؟ ونتحدّث عن الأحداث النادرة الكبرى والآفاق البعيدة، ونجمع خلاصة الرحلة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاحتماليّ لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.