إذا كانت المشكلة الأولى أنّ التوقّعات الغامضة لا تخضع للقياس، فإنّ الحلّ الأوّل الذي يطرحه الكتاب هو أن نصوغ توقّعاتنا بطريقةٍ مختلفة. وهذه الخطوة تبدو شكليّة، لكنّها في الحقيقة تغيّر طريقة التفكير كلّها، لأنّك حين تُجبر نفسك على تحديد ما تتوقّعه بالضبط تكتشف كم كانت فكرتك الأولى ضبابيّة.
ثلاثة أركان لكلّ توقّعٍ جادّ
يقوم التوقّع القابل للقياس على ثلاثة أركان نصوغها بلغتنا. الأوّل: تعريفٌ واضح للحدث، بحيث يتّفق شخصان مختلفان بعد وقوعه على أنّه وقع أو لم يقع. والثاني: أفقٌ زمنيّ محدّد، فلا يكفي أن تقول إنّ شيئًا سيحدث، بل يجب أن تقول قبل أيّ تاريخ. والثالث: احتمالٌ صريح يعبّر عن درجة ثقتك، لا كلمةٌ عامّة يملؤها كلّ سامعٍ بما يشاء. ويسمّي بعض الباحثين الركن الأوّل معايير الحسمالشروط المكتوبة مسبقًا التي تحدّد متى يُعدّ الحدث المتوقَّع قد وقع ومتى لم يقع، ومن أيّ مصدرٍ تُؤخذ النتيجة، حتّى لا يختلف الناس بعد ذلك في تفسيرها.، وهي ما يمنع صاحب التوقّع من إعادة تفسيره بعد أن يعرف النتيجة.
لماذا الأرقام لا الكلمات؟
يلاحظ الكتاب أنّ كلمات التقدير الشائعة تحمل معاني متباعدة جدًّا. فإذا سألت مجموعةً من الناس عمّا تعنيه عبارة «من المرجّح جدًّا» أعطوك أرقامًا تتراوح تراوحًا واسعًا. وفي القرارات المهمّة قد يكون هذا اللبس مكلفًا، لأنّ صاحب القرار يفهم من التقرير غير ما قصده كاتبه. أمّا الرقم فلا يدّعي يقينًا أكبر، بل يقول بدقّة ما تعرفه وما لا تعرفه: أن تقول «ستّون في المئة» يعني أنّك ترجّح الحدث، لكنّك تتوقّع أن يخيب ترجيحك في نحو أربع حالاتٍ من كلّ عشر. ويشرح درس التوقّع الرياضيّ كيف يقود التفكير بالاحتمالات إلى تقييمٍ أنضج للقرارات من التفكير بالنتائج الفرديّة.
مثالٌ توضيحيّ من عندنا
طالبٌ يستعدّ لامتحانٍ مهمّ يقول لنفسه: «أظنّ أنّني سأنجح». هذه جملةٌ مريحة، لكنّها لا تساعده على شيء. لو أعاد صياغتها: «أقدّر باحتمال خمسةٍ وسبعين في المئة أن أحصل على درجةٍ فوق الحدّ المطلوب في امتحان نهاية الشهر» لبدأ يسأل نفسه أسئلةً مفيدة: لماذا ليس تسعين؟ ما الذي ينقص؟ وما الذي يرفع الاحتمال؟ وبعد الامتحان يستطيع أن يقارن، وإذا سجّل تقديراته في امتحاناتٍ عدّة عرف هل يميل إلى الإفراط في الثقة أم إلى التهوين من نفسه. والمثال افتراضيّ، لكنّه يبيّن أنّ الصياغة الدقيقة أداةٌ للتفكير قبل أن تكون أداةً للمحاسبة.
ما يعنيه ذلك لمتعلّم الأسواق
كثيرٌ ممّا يُتداول عن الأسواق يأتي في صيغٍ مطّاطة: «السوق مهيّأٌ للتصحيح» أو «الأجواء إيجابيّة». والتمرين المفيد ليس أن تحوّل هذه العبارات إلى أهدافٍ سعريّة، فهذا ما لا ندعو إليه، بل أن تطبّق الأركان الثلاثة على أسئلةٍ تخصّك أنت: ما احتمال أن ألتزم بخطّتي في الشهر المقبل دون استثناء؟ وما احتمال أن تتجاوز خسارتي في أسوأ أسبوعٍ الحدّ الذي وضعته؟ هذه أسئلةٌ قابلةٌ للقياس، ونتيجتها تعلّمك عن نفسك أكثر ممّا يعلّمك أيّ تخمينٍ عن السعر. ويساعدك درس خطّة التداول على تحويل مثل هذه الأسئلة إلى قواعد مكتوبة.
تعلّمنا في هذا الفصل كيف نصوغ التوقّع صياغةً قابلة للقياس. لكنّ القياس لا يكتمل إلّا بطريقةٍ لحساب النتائج. في الفصل التالي نتعرّف إلى فكرة تسجيل نقاط التوقّعات، والفرق بين المعايرة والقدرة على التمييز. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاحتماليّ لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.