فيليب تيتلوك عالمٌ في علم النفس والعلوم السياسيّة، قضى جزءًا كبيرًا من مسيرته الأكاديميّة يسأل سؤالًا يبدو بسيطًا: هل يتوقّع الخبراء المستقبل أفضل من غيرهم؟ وقد سبق له أن نشر بحثًا طويلًا خلص فيه إلى أنّ كثيرًا من أصحاب الرأي المشهورين لا يتفوّقون كثيرًا على التخمين حين تُقاس توقّعاتهم بدقّة. ثمّ عاد في هذا الكتاب، الذي كتبه سنة 2015 مع الصحفيّ دان غاردنر، ليقدّم الوجه الآخر للقصّة: أنّ هناك من يتوقّع جيّدًا فعلًا، وأنّ ما يميّزه طريقةٌ في التفكير يمكن تعلّمها.
الثقة ليست دليلًا على الصواب
نعيش محاطين بالتوقّعات: محلّلٌ يتحدّث عن الاقتصاد في العام المقبل، ومعلّقٌ يرسم مستقبل منطقةٍ بأكملها، وضيفٌ في برنامجٍ يؤكّد ما سيحدث بنبرةٍ لا تعرف الشكّ. ونميل بطبيعتنا إلى تصديق الصوت الواثق، لأنّ الثقة توحي بالمعرفة. لكنّ الكتاب يلفت إلى أنّ الإعلام يكافئ الوضوح الحادّ والقصّة الجذّابة أكثر ممّا يكافئ الدقّة، فمن يقول «الأمر معقّد والاحتمالات متقاربة» نادرًا ما يُدعى مرّةً ثانية. وهكذا تصل إلينا التوقّعات الأكثر ثقةً لا الأكثر صوابًا. ويتّصل هذا بما يشرحه درس التحيّزات المعرفيّة في التداول عن ميلنا إلى الثقة الزائدة وتصديق ما يوافق قصّتنا.
العبارة المطّاطة لا تخطئ أبدًا
المشكلة الأعمق ليست في أنّ الخبراء يخطئون، فالخطأ جزءٌ من التعامل مع المستقبل، بل في أنّ كثيرًا من توقّعاتهم يُصاغ بطريقةٍ تجعل الخطأ مستحيل الإثبات. فكلماتٌ مثل «قد» و«من المحتمل» و«لا يُستبعد» تحمل معاني مختلفة جدًّا عند كلّ سامع، فيفهمها أحدهم على أنّها فرصةٌ ضئيلة ويفهمها آخر على أنّها شبه مؤكّدة. وإذا لم يحدّد صاحب التوقّع أفقًا زمنيًّا، بقي التوقّع مفتوحًا إلى الأبد، فإن وقع الحدث بعد عشر سنوات قال إنّه سبق إليه. هذا ما نسمّيه التوقّع الغامضتوقّعٌ يُصاغ بألفاظٍ عامّة بلا احتمالٍ صريح ولا أفقٍ زمنيّ ولا تعريفٍ واضح لما يُعدّ وقوعًا للحدث، فيتعذّر الحكم عليه بالصواب أو الخطأ، ويتعذّر التعلّم من نتيجته.، وهو مريحٌ لصاحبه لأنّه يحميه من المحاسبة، لكنّه يحرمه ويحرمنا من أيّ فرصةٍ لمعرفة جودة حكمه.
مثالٌ توضيحيّ من عندنا
تخيّل جارين يتحدّثان عن مشروع طريقٍ جديد في مدينتهما. يقول الأوّل: «أظنّ أنّ المشروع سيتأخّر كثيرًا». ويقول الثاني: «أقدّر باحتمال سبعين في المئة أن يتأخّر افتتاح الطريق أكثر من ستّة أشهر عن الموعد المعلن». بعد عامٍ يُفتتح الطريق متأخّرًا أربعة أشهر. هل أصاب الأوّل؟ يستطيع أن يقول نعم، لأنّ أربعة أشهر تأخيرٌ «كثير» في نظره. أمّا الثاني فنعرف بالضبط أنّ الحدث الذي رجّحه لم يقع، ونستطيع أن نضيف هذه النتيجة إلى سجلّه ونرى مع الوقت هل يميل إلى المبالغة في التشاؤم. والمثال افتراضيّ، لكنّه يوضّح أنّ الدقّة لا تجعل صاحبها أذكى بالضرورة، بل تجعله قابلًا للتعلّم.
لماذا تهمّ هذه الفكرة متعلّم الأسواق؟
يتعرّض متعلّم الأسواق لسيلٍ من التوقّعات الواثقة أكثر من غيره، من التقارير والقنوات وحسابات التواصل. والدرس الأوّل من الكتاب أن يسأل عن كلّ توقّعٍ يسمعه: هل هو محدّدٌ بما يكفي لأعرف لاحقًا إن كان صحيحًا؟ وهل لصاحبه سجلٌّ مقاسٌ أم مجرّد ذكرياتٍ عن إصاباتٍ لافتة؟ لكنّ الدليل يحرص منذ البداية على تنبيهٍ مهمّ: الأسواق من أصعب ما يمكن توقّعه، لأنّ ما يعرفه المشاركون ينعكس في الأسعار سريعًا، ولأنّ تغيّر التوقّعات نفسه يغيّر السلوك. فالغاية هنا ليست أن تصبح متنبّئًا بالأسعار، بل أن تفكّر بوضوحٍ في عدم اليقين، وأن تحذر ممّن يبيعون اليقين، كما يشرح درس فخّ التوصيات المجّانيّة.
عرضنا في هذا الفصل المشكلة التي ينطلق منها الكتاب: توقّعاتٌ كثيرة لا تخضع لأيّ حساب. في الفصل التالي نتعلّم كيف نصوغ التوقّع صياغةً تجعله قابلًا للقياس: حدثٌ محدّد، وأفقٌ زمنيّ، واحتمالٌ صريح. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاحتماليّ لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.