يبدأ نسيم نيكولاس طالب كتابه من ملاحظةٍ قد تبدو بديهيّة لكنّنا ننساها كلّ يوم: العالم مليءٌ بالصدفة، وعقولنا لا تحبّ الصدفة. فحين نرى شخصًا يربح نبحث فورًا عن سببٍ في ذكائه أو طريقته، وحين نخسر نحن نبحث عن سببٍ خارجنا. وهذا الفصل يضع الأساس الذي يقوم عليه الدليل كلّه: أنّ النتيجة وحدها شاهدٌ ضعيف على المهارة، وأنّ الحظّ يرتدي كثيرًا ثوب الكفاءة دون أن نلاحظ. ويختلف هذا الكتاب عن عمل المؤلّف اللاحق الذي عرضناه في دليل البجعة السوداء؛ فذاك يركّز على الأحداث النادرة عظيمة الأثر، وهذا يركّز على الحظّ اليوميّ الهادئ الذي يصنع أبطالًا وهميّين.
عقلٌ يبحث عن الأسباب
تطوّر العقل البشريّ في بيئةٍ كان فيها ربط السبب بالنتيجة مفيدًا للنجاة: صوتٌ في العشب قد يعني خطرًا، فالأفضل أن نفترض سببًا ونتصرّف. لكنّ هذه العادة نفسها تخدعنا في الأسواق، حيث يتداخل فيها أثر القرار مع قدرٍ كبير من العشوائيّةتغيّراتٌ في النتائج لا يمكن ردّها إلى سببٍ محدّد يمكن التنبّؤ به، وتظهر في الأسواق في صورة تقلّبات قصيرة الأجل لا تعكس بالضرورة أيّ معلومةٍ جديدة أو مهارةٍ لدى المشاركين.. فإذا ربح متداولٌ ثلاثة أشهرٍ متتالية، نميل إلى القول إنّه وجد سرّ السوق، مع أنّ سلسلةً كهذه قد تحدث لعددٍ كبير من الناس بمحض الصدفة. ويعرض درس الانحيازات المعرفيّة في التداول كيف تتسلّل هذه العادات إلى قراراتنا.
مثالٌ توضيحيّ بأرقامٍ مستديرة
تخيّل غرفةً فيها مئة شخص، يرمي كلٌّ منهم قطعة نقدٍ عشر مرّات، ومن يحصل على «صورة» يُعدّ رابحًا في تلك الجولة. لا مهارة في هذه اللعبة إطلاقًا، ومع ذلك سيخرج منها بعض الأشخاص بسجلٍّ لافت: سبع رميات رابحة أو ثمانٍ من عشر. ولو أجرينا مقابلةً مع أحدهم لربّما شرح لنا «طريقته» في الرمي. والسوق ليست قطعة نقد، ففيها مهارةٌ حقيقيّة لبعض المشاركين، لكنّ المثال يبيّن أنّ الصدفة وحدها كافيةٌ لصنع سجلّاتٍ تبدو مقنعة، فلا يجوز أن نستدلّ على المهارة من السجلّ القصير وحده.
اسأل كيف لا كم
ما البديل إذن؟ يقترح الكتاب أن ننتقل من سؤال «كم ربح؟» إلى سؤال «كيف ربح؟». فالعائد المرتفع الذي جاء من رهانٍ واحد ضخم يحمل دلالةً على المهارة أضعف بكثير من عائدٍ متوسّط تكرّر بمخاطرةٍ محسوبة عبر ظروفٍ مختلفة. وهنا تظهر أهميّة العائد المعدَّل بالمخاطرمقياسٌ يقارن العائد المتحقّق بحجم المخاطرة أو التذبذب الذي تحمّله صاحبه للوصول إليه، فيُظهر هل جاء العائد من كفاءةٍ في إدارة المخاطر أم من مخاطرةٍ كبيرة صادفت ظروفًا مواتية. الذي يشرحه درس العوائد المعدّلة بالمخاطر في أكاديميّة أُسس. فمن يضاعف حجم رهانه يضاعف أثر الحظّ في نتيجته، فيبدو عبقريًّا في الأيّام الجيّدة ومتهوّرًا في الأيّام السيّئة، وهو في الحالتين الشخص نفسه.
التواضع لا الإنكار
ليس المقصود أن نستنتج أنّ كلّ نجاحٍ حظّ، فهذا خطأٌ معاكس لا يقلّ ضررًا. المقصود أن نمنح الصدفة نصيبها العادل من التفسير قبل أن نوزّع ألقاب العبقريّة، وأن نطبّق القاعدة نفسها على أنفسنا: فربحك في الشهر الماضي قد لا يعني أنّ طريقتك تعمل، كما أنّ خسارتك قد لا تعني أنّها فاشلة. وهذا الموقف المتواضع هو ما سنبني عليه في الفصول القادمة.
وضعنا في هذا الفصل الأساس الذي يقوم عليه الكتاب. في الفصل التالي نتعرّف إلى أداةٍ ذهنيّة يقترحها المؤلّف للحكم على القرارات: أن ننظر إلى كلّ ما كان يمكن أن يحدث، لا إلى ما حدث فقط. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاحتماليّ وسلوك المستثمر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.