قام كلّ ما سبق على قراءة التاريخ الطويل للأسواق. ومن الأمانة أن نتوقّف هنا ونسأل: ماذا لو كان هذا التاريخ نفسه يخدعنا؟ هذا الفصل لا يهدف إلى هدم الفكرة، بل إلى وضعها في حجمها الصحيح. فقد أثار الكتاب، في طبعاته المتتالية، نقاشًا واسعًا بين الباحثين، ومن المفيد للقارئ أن يرى الصورة كاملة لا نصفها المتفائل وحده.
الأسواق التي لا نسمع عنها
أوّل المشكلات انحياز البقاءخطأٌ في الاستدلال ينشأ حين ندرس من نجا أو نجح فقط، لأنّ بياناته متاحة ومتّصلة، ونغفل من تعثّر أو اختفى، فتبدو النتائج العامّة أفضل ممّا كانت عليه فعلًا، ويُستخلص منها تفاؤلٌ لا يستحقّه المستقبل.. فالأسواق التي تملك أطول السجلّات وأكثرها اتّصالًا هي في الغالب الأسواق التي نجحت واستمرّت. أمّا الأسواق التي أُغلقت بسبب حروبٍ أو ثورات، أو التي خسر فيها المستثمرون معظم ما يملكون، فتحظى بقدرٍ أقلّ من الدراسة. والأمر نفسه يصدق على الشركات: المؤشّر يستبدل الشركات المتعثّرة بغيرها، فيبدو المؤشّر أطول عمرًا من أيّ شركةٍ فيه.
عصورٌ لا تتكرّر
المشكلة الثانية أنّ العقود الماضية حملت ظروفًا قد لا تتكرّر: نموًّا سكّانيًّا وتقنيًّا بعينه، ومستويات تقييمٍ بدأت منخفضة في بعض الفترات، وتحوّلاتٍ في أسعار الفائدة والضرائب والتجارة العالميّة. فجزءٌ من العائد التاريخيّ ربّما جاء من ارتفاع التقييمات نفسها، وهذا مصدرٌ لا يمكن أن يتكرّر بلا نهاية. ثمّ إنّ اختلاف تجارب البلدان كبير: ما نجح في سوقٍ واحدة على مدى قرن لا يعني أنّه سينجح في كلّ سوق، ولا في السوق نفسها خلال القرن التالي.
المدّة الطويلة لها مخاطرها أيضًا
والمشكلة الثالثة أدقّ: يجادل بعض الباحثين بأنّ تضيّق نطاق المتوسّطات مع طول المدّة، الذي رأيناه في الفصل الثالث، لا يعني أنّ الخطر على الثروة النهائيّة يقلّ بالضرورة. فرغم أنّ متوسّط العائد السنويّ يصبح أقلّ تشتّتًا، يبقى مقدار المال في نهاية ثلاثين سنة عرضةً لفروقٍ كبيرة بين السيناريو الجيّد والسيّئ. وهذا ما يمكن تسميته مخاطر الأفق الطويلفكرةٌ تشير إلى أنّ الأفق الطويل، رغم أنّه يخفّف تشتّت متوسّط العائد السنويّ، لا يلغي احتمال أن تكون الثروة النهائيّة أقلّ كثيرًا من المتوقّع، لأنّ الفروق الصغيرة في المعدّل تتضخّم بفعل التراكم عبر سنواتٍ كثيرة.. ويناقش دليلنا لكتاب البجعة السوداء كيف تخدعنا البيانات حين نفترض أنّ ما لم يحدث بعد لن يحدث أبدًا، كما يروي دليلنا لكتاب ضدّ الآلهة: قصّة المخاطرة قصّة محاولة الإنسان قياس المخاطرة وحدود هذا القياس.
كيف نقرأ التاريخ إذن؟
الموقف المتوازن ليس رمي البيانات ولا تقديسها. البيانات الطويلة أفضل ما لدينا لفهم طبيعة الأصول: أنّ الملكيّة المنتجة تحمل مخاطرةً وفرصةً أكبر، وأنّ التضخّم يأكل الأصول الاسميّة، وأنّ الكلفة والسلوك يصنعان فرقًا. لكنّ الأرقام الدقيقة لا تصلح وعدًا. والحكمة أن نفترض في خططنا عوائد أكثر تواضعًا ممّا يوحي به الماضي، وأن نبني هامشًا للخطأ، وأن نتذكّر دائمًا أنّ العوائد السابقة، مهما طالت مدّتها، لا تضمن النتائج المستقبليّة. وهي الروح نفسها التي يحذّر بها درس خرافة الثراء السريع من كلّ وعدٍ بنتيجةٍ مؤكّدة.
وضعنا في هذا الفصل أفكار الكتاب في حجمها الصحيح. في الفصل الأخير نجمع كلّ ما سبق في سؤالٍ عمليّ واحد: كيف يبني المستثمر خطّةً طويلة الأجل تستفيد من دروس التاريخ دون أن تراهن على تكراره؟ وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الاستثمار طويل الأجل لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.