بعد أن عرفنا الانحيازات مفردةً، يقدّم مونغر فكرته الأخطر: أنّ هذه القوى نادرًا ما تعمل وحدها. حين تجتمع عدّة انحيازاتٍ في اتّجاهٍ واحد، لا تُجمَع آثارها جمعًا بسيطًا بل تتفاعل ويشدّ بعضها بعضًا، فتنفجر النتيجة انفجارًا يفوق مجموعها المنفرد. أطلق مونغر على هذا التضافر اسم «لولابالوزا»، وجعله مفتاحًا لفهم الأحداث المتطرّفة التي يعجز انحيازٌ واحد عن تفسيرها.
الكلّ أكبر من مجموع أجزائه
تأثير لولابالوزاحالةٌ تجتمع فيها عدّة قوى نفسيّة في اتّجاهٍ واحد فتتفاعل ويشدّ بعضها بعضًا، فيتعاظم الأثر تعاظمًا يفوق حاصل جمعها لو عمل كلٌّ منها منفردًا. يشبه ما يحدث حين تتراكم أسبابٌ صغيرة حتّى تبلغ عتبةً فتنقلب الحال دفعةً واحدة. انحيازٌ منفرد قد يميل بالحكم قليلًا، أمّا خمسةٌ تدفع في الوجهة نفسها فتصنع اندفاعًا يصعب مقاومته. لذلك يحذّر مونغر من المواقف التي «تصطفّ» فيها الحوافز والعواطف والضغوط الاجتماعيّة كلّها في صفٍّ واحد، فهي مظنّة الخطأ الجسيم.
لولابالوزا في الأسواق
أوضح أمثلته الفقاعات والهلع. في الصعود المحموم يجتمع الطمع مع محاكاة الجماعة مع الخوف من فوات الفرصة مع الرسوّ على الأسعار الصاعدة، فتشدّ هذه القوى الجموع دفعًا واحدًا حتّى التطرّف. ثمّ تنقلب القوى نفسها في الهبوط هلعًا جماعيًّا يبيع بأيّ ثمن. من فهم هذا التضافر لا يعجب من عنف حركات السوق، ويعرف أنّ حماية النفس منها تبدأ من الوعي بها قبل الوقوع فيها.
كيف نتحصّن من التضافر
الحصن الأوّل أن ننتبه حين نجد كلّ القوى تدفعنا في اتّجاهٍ واحد بلا صوتٍ مخالف؛ فهذا الإجماع الداخليّ المريح كثيرًا ما يكون علامة خطرٍ لا علامة صواب. عندها نستعيد أداة القلب فنسأل عمّا يجعلنا مخطئين، ونستعين بالتنويع بوصفه علاوة المخاطرةعائدٌ إضافيّ أو حصانةٌ يطلبها العاقل مقابل تحمّله مخاطرةً أعلى؛ فكلّما اشتدّ احتمال الخطأ لزم مزيدٌ من الهامش والاحتياط قبل الإقدام. التي نطلبها كلّما اشتدّ اندفاع الجموع. وهذا الانضباط في وجه الحشد هو صميم ما تعلّمه أكاديميّة أُسس في علم نفس التداول.
فهمنا في هذا الفصل كيف تتضافر الانحيازات فتنفجر النتيجة. في الفصل التالي نفرد لأقواها فصلًا خاصًّا: الحوافز، وقاعدة مونغر «أرِني الحافز أُرِك السلوك». وتذكّر أنّ ما هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار.