أشهر ما تركه مونغر محاضرةٌ جمع فيها ما سمّاه أسباب «سوء الحكم البشريّ»: ميولٌ نفسيّة راسخة في الإنسان تدفع حكمه بعيدًا عن المنطق دون أن يشعر. لا يعرضها ليجلد النفس بل ليحصّنها؛ فمن يعرف كيف يُخدَع عقله يستطيع أن يتوقّف ويصحّح. نعرض هنا أبرزها بلغتنا الخاصّة، لا لنحفظ أسماءها بل لنتعرّف على آثارها في قراراتنا اليوميّة.
الحوافز تصوغ الإدراك
أوّل هذه القوى وأعمقها أثر الحوافز. حين يكون للمرء مصلحةٌ في نتيجةٍ معيّنة، يميل عقله — لا لسانه فقط — إلى تصديق ما يخدم مصلحته حتّى يظنّه حقًّا. لذلك يقول مونغر إنّ تقدير أثر الحافز في أيّ سلوكٍ ليس كافيًا مهما بالغت. سنفرد لهذا فصلًا مستقلًّا، لكنّه هنا رأس الانحيازات لأنّه يشوّه الرؤية من جذرها.
النفور من الخسارة والتشبّث بما نملك
من أقوى الميول النفور من الخسارةميلٌ نفسيّ يجعل ألم فقد شيءٍ أشدّ وقعًا من فرحة كسب مثله؛ فيدفع المرء إلى التمسّك بالخاسر أو المجازفة غير المحسوبة هربًا من تثبيت الخسارة.: ألم الخسارة يفوق لذّة مكسبٍ يساويها، فيتمسّك المرء بقرارٍ خاسر لئلّا يعترف بالخسارة، أو يجازف مجازفةً طائشة ليستردّها. ويقترن به ميلٌ إلى تعظيم قيمة ما نملك لمجرّد أنّه لنا. الوعي بهذين الميلين يعين على أن نزن القرار بحسابه لا بألمنا من فراقه.
الإذعان الاجتماعيّ والتناسق مع الذات
يميل الإنسان إلى محاكاة من حوله واعتبار سلوك الجماعة دليلًا على الصواب، خاصّةً عند الحيرة، فيُذعِن للحشد ولو أخطأ. ويميل كذلك إلى التماسك مع مواقفه السابقة، فيدافع عن رأيٍ تبنّاه حتّى بعد أن يتبيّن ضعفه لئلّا يناقض نفسه. هذان الميلان يفسّران كثيرًا من سلوك القطعان في الأسواق، وهو ما تعالجه أكاديميّة أُسس في علم نفس التداول حين تعلّم المتعلّم أن يفصل حكمه عن ضجيج الجماعة.
الرسوّ على أوّل رقمٍ والاندفاع بالعاطفة
من الميول أيضًا التعلّق بأوّل معلومةٍ تصل — رقمٍ أو سعرٍ أو انطباع — فتصير مرساةً يُقاس عليها ما بعدها ولو كانت اعتباطيّة، وهو ما نسمّيه أثر الرسوّميلٌ إلى تثبيت الحكم عند أوّل رقمٍ أو معلومةٍ نصادفها، فتصير مرجعًا نقيس عليه ما بعده ولو كانت عشوائيّة لا قيمة لها.. ويقترن بذلك ميل العاطفة الحادّة — خوفٍ أو طمع — إلى إطفاء التفكير المتأنّي وقت الحاجة إليه. هذه الميول مجتمعةً لا تلغي العقل، لكنّها تحرفه؛ وأوّل خطوةٍ لتصحيحها أن نعرف أنّها موجودة فينا جميعًا.
رأينا في هذا الفصل كيف تخدع الانحيازات المفردة عقولنا. في الفصل التالي ننظر في ما هو أخطر: «تأثير لولابالوزا»، حين تتضافر عدّة انحيازاتٍ معًا فتضخّم النتيجة أضعافًا. وتذكّر أنّ ما هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار.