بعد أن رأينا كيف تنساق الحشود، ننتقل إلى أداةٍ يعتقد كثيرون أنّها تلتقط سلوك الحشد وتترجمه إلى إشارات: التحليل الفنّيّ. يتعامل مالكيل مع هذه المدرسة باحترامٍ ظاهريّ ثمّ يفكّكها بهدوء، لأنّها تصطدم مباشرةً بفكرة المشي العشوائيّ التي بنى عليها كتابه.
ما الذي يعد به التحليل الفنّيّ؟
يقوم التحليل الفنّيّمنهجٌ يحاول التنبّؤ باتّجاه الأسعار عبر دراسة حركتها الماضية وأحجام تداولها ورسومها البيانيّة، انطلاقًا من افتراض أنّ الأنماط التاريخيّة تتكرّر وتحمل إشاراتٍ عن المستقبل. على فكرةٍ جذّابة: أنّ كلّ ما تحتاجه مسجّلٌ في الرسم البيانيّ. الأسعار الماضية والأحجام تكشف، بحسب أنصاره، نفسيّة السوق، وتشكّل أنماطًا كالقمم والقيعان والاتّجاهات التي تميل إلى التكرار. فمن يتقن قراءتها يستطيع، نظريًّا، أن يركب الاتّجاه قبل أن ينتبه إليه الآخرون. للتعمّق في أدواته العمليّة يمكن العودة إلى درس المتوسّطات المتحرّكة ومؤشّر القوّة النسبيّة، لكنّ سؤالنا هنا أعمق: هل تصمد فرضيّته الأساسيّة؟
الاصطدام بالمشي العشوائيّ
هنا يوجّه مالكيل ضربته. إذا كانت التغيّرات القصيرة في السعر مستقلّةً عمليًّا عن سابقاتها، كما رأينا في الفصل الأوّل، فإنّ البحث عن نمطٍ ينبئ بالمستقبل يشبه محاولة توقّع نتيجة رمية عملةٍ من نتائج الرميات السابقة. النمط الذي تراه عينك في الرسم قد يكون حقيقيًّا في الماضي، لكنّه لا يضمن استمراره؛ فالعقل البشريّ بارعٌ في رؤية أشكالٍ ذات معنى حتّى في الضوضاء العشوائيّة. هذه الفجوة بين «نمطٍ بدا واضحًا» و«نمطٍ يتكرّر فعلًا» هي قلب الإشكال.
عدوّ العائد: التكاليف
ثمّة حجّةٌ عمليّة لا تقلّ قوّة. التحليل الفنّيّ يدفع صاحبه إلى تداولٍ كثير: دخولٌ وخروجٌ مع كلّ إشارة. وكلّ عمليّةٍ تحمل عمولةً وفارق سعرٍ وربّما ضريبة. حتّى لو منحت الأنماط ميزةً طفيفة، فإنّ هذه التكاليف المتراكمة قد تلتهمها بالكامل، فيخرج المتداول النشط بعائدٍ أقلّ ممّن اشترى وانتظر بهدوء. الحركة الكثيرة تشعر صاحبها بأنّه يعمل بجدّ، لكنّ الجدّ في السوق لا يكافأ دائمًا؛ وأحيانًا يكون الأقلّ حركةً هو الأكثر بقاءً.
موقفٌ متوازن
من الإنصاف القول إنّ مالكيل لا يزعم أنّ الرسوم بلا أيّ فائدة إطلاقًا؛ فهي تساعد على فهم مستويات الاهتمام وسلوك التداول. لكنّه يفرّق بوضوح بين استخدامها كأداة وصفٍ وتنظيم، وبين الادّعاء بأنّها آلة تنبّؤٍ تمنح تفوّقًا ثابتًا على السوق. الأوّل مشروع، والثاني هو ما تصطدم به الأدلّة. الدرس للمستثمر أن يحذر من الوعود القاطعة، وأن يفهم أنّ رؤية نمطٍ في الماضي شيء، وربحه في المستقبل شيءٌ آخر تمامًا.
إذا كان التحليل الفنّيّ محلّ شكّ، فماذا عن نقيضه التقليديّ: التحليل الأساسيّ الذي يحفر في أرقام الشركات؟ في الفصل التالي نزن قوّته وحدوده، ونرى لماذا يبقى التفوّق على السوق باستمرارٍ صعبًا حتّى على المحلّلين المهرة.