ينقلنا مالكيل في هذا الفصل إلى متحفٍ غريب: معرضٌ لجنون البشر حين يستولي عليهم الطمع الجماعيّ. يستعرض فقاعاتٍ يفصل بينها قرون، لكنّها تحكي القصّة نفسها بوجوهٍ مختلفة. الغاية ليست التسلية بل درسٌ عميق: أنّ النفسيّة التي تصنع الفقاعة اليوم هي ذاتها التي صنعتها قبل أربعة قرون.
حين صار البصل ثروة
في هولندا القرن السابع عشر اجتاح البلاد هوسٌ بأبصال زهرة التوليب. صارت الأصناف النادرة تُتداول بأسعارٍ خياليّة، حتّى إنّ بصلةً واحدة قد تعادل ثمن بيت. لم يشترِ الناس الأبصال لأنّهم يحبّون الزهور، بل لأنّهم واثقون أنّ غيرهم سيدفع أكثر غدًا. هذا هو سلوك الفقاعةحالةٌ يصعد فيها سعر الأصل بعيدًا عن أيّ قيمةٍ معقولة بدافع توقّع بيعه لاحقًا بأغلى، لا بدافع منفعته الحقيقيّة؛ ثمّ ينهار حين ينفد المشترون الجدد. في أنقى صوره. ثمّ، في لحظةٍ لا يعرف أحد سببها بدقّة، تردّد المشترون، فانهارت الأسعار بسرعة صعودها، وأفلست عائلاتٌ راهنت كلّ شيءٍ على بصلة.
وعودٌ من بحر الجنوب
بعد قرنٍ تقريبًا، هزّت إنجلترا فقاعةٌ من نوعٍ آخر حول شركةٍ وعدت بثرواتٍ من تجارة بحر الجنوب. تدافع الناس على أسهمها وهي تتضاعف، وظهرت شركاتٌ وهميّة تركب الموجة، إحداها جمعت المال «لمشروعٍ عظيمٍ لا يجوز الإفصاح عنه». حين انكشف الوهم انهار كلّ شيء، وخسر مستثمرون كثرٌ، بينهم علماء وأثرياء، مدّخراتهم. الدرس أنّ الذكاء الفرديّ لا يعصم من الجنون الجماعيّ حين يشتدّ تيّاره.
أحلامٌ رقميّة
يقفز مالكيل إلى زمنٍ أقرب: نهاية التسعينيّات، حين وعدت شبكة الإنترنت بإعادة اختراع الاقتصاد. تدفّق المال إلى أيّ شركةٍ تحمل اسمًا رقميًّا، حتّى لو لم تحقّق ربحًا ولا اقتربت منه. صار مجرّد وجود «فكرةٍ إلكترونيّة» كافيًا لتقييمٍ هائل. ثمّ جاء التصحيح قاسيًا، فتبخّرت قيمٌ ضخمة، وعاد الناس يسألون سؤال الأساس المتين القديم: أين الأرباح؟ التقنية كانت حقيقيّة وثوريّة بالفعل، لكنّ الأسعار سبقت الواقع بسنوات.
لماذا يتكرّر النمط؟
القاسم المشترك واضح: في كلّ مرّةٍ ينفصل السعر عن أيّ أساسٍ معقول، ويصعد بدافع توقّع بيعه لاحقًا لا بدافع قيمته. والسبب في التكرار أنّ الأصول تتغيّر لكنّ النفس لا تتغيّر: الطمع، والخوف من فوات الفرصة، وميل الإنسان إلى الثقة حين يرى الجميع يربحون حوله. هذا هو بالضبط ميدان علم نفس التداول، ولهذا يظلّ الوعي بتاريخ الفقاعات درعًا؛ فمن يعرف كيف تنتهي القصّة أقلّ عرضةً لأن يكون آخر مشترٍ فيها. وهو أيضًا جزءٌ من فهمنا لماذا يخسر أغلب المتداولين.
إذا كانت الحشود تنساق وراء الأنماط والقصص، فهل يمكن لأداةٍ أن تلتقط هذه الأنماط وتتنبّأ بها؟ هنا يدخل التحليل الفنّيّ ساحة النقاش. في الفصل التالي نضعه تحت مجهر مالكيل النقديّ لنرى لماذا يشكّك الأكاديميّون في قدرته على التنبّؤ.