لو اقتصرت الفقاعات على حماس الناس بأموالهم الخاصّة لظلّت محدودة. لكنّ ما يحوّل الشرارة إلى حريقٍ عارم هو الوقود الخارجيّ: المال السهل والائتمان الرخيص. رأينا هذا واضحًا في مخطّط المسيسيبي حين ربط جون لو بين المطبعة والسوق، وهو نمطٌ يتكرّر خلف كلّ هوسٍ واسع النطاق.
حين يصير المال وفيرًا
في أوقات المال السهلحالةٌ يكون فيها الاقتراض رخيصًا والسيولة وفيرة، فتتدفّق الأموال بحثًا عن عائدٍ أعلى؛ تشجّع على المخاطرة والمضاربة وترفع أسعار الأصول، وكثيرًا ما تسبق موجات الهوس الكبرى. تتدفّق الأموال بحثًا عن عائد، فلا تجد صاحبها راضيًا بعائدٍ متواضع حين يرى غيره يضاعف ثروته. هذا الفائض من السيولة يرفع الطلب على الأصول جميعًا، ويخلق مناخًا نفسيًّا يبدو فيه الحذر تفويتًا للفرص. فيتحوّل الوفر الذي يفترض أن يكون نعمة إلى شرارةٍ تشعل المضاربة في كلّ اتّجاه.
الاقتراض للمضاربة
أخطر ما في المال السهل أنّه يغري بالاقتراض للشراء. حين يرتفع سعر أصلٍ باطّراد يبدو الاقتراض لشرائه قرارًا ذكيًّا: تقترض بفائدةٍ صغيرة لتربح ربحًا كبيرًا. لكنّ هذا الحساب لا يصحّ إلّا ما دام السعر صاعدًا. وحين يتّسع الاقتراض يصير جزءٌ كبير من الطلب مبنيًّا على ديونٍ لا على مدّخرات، فتقوم الفقاعة على أساسٍ هشّ ينهار عند أوّل انقلاب.
الرافعة تضاعف الحدّين
هنا تدخل الرافعة الماليّةاستخدام أموالٍ مقترَضة لتكبير حجم المركز، فتتضخّم الأرباح والخسائر معًا نسبةً إلى رأس المال؛ تضاعف المكاسب صعودًا والخسائر هبوطًا، وقد تفوق الخسارة رأس المال فتُجبر على البيع القسريّ. بوصفها العامل الأخطر. فهي تضاعف الربح صعودًا كما تضاعف الخسارة هبوطًا. وما دام السوق يرتفع تبدو الرافعة عبقريّة، فينسى المقترضون أنّها تعمل في الاتّجاهين. حين ينقلب السعر تتحوّل المكاسب الورقيّة إلى خسائر حقيقيّة قد تفوق رأس المال الأصليّ، فيقع أصحابها في العجز عن السداد. لفهم هذا الخطر بعمقٍ راجع درس الرافعة الماليّة.
دوّامة البيع القسريّ
وحين يهبط السعر يتلقّى المقترضون نداءات تطالبهم بتغطية خسائرهم أو تصفية مراكزهم. هذا البيع القسريّ يدفع السعر إلى مزيدٍ من الهبوط، فيُجبَر مقترضون آخرون على البيع بدورهم، في دوّامةٍ تُسرّع الانهيار وتعمّقه. هكذا يتحوّل الائتمان الذي ضخّم الصعود إلى مسرّعٍ للسقوط، وهذا سرّ أنّ الفقاعات الممولة بالديون تنتهي بأشدّ الانهيارات إيلامًا.
عرفنا الوقود الذي يضخّم الفقاعات. لكن يبقى سؤالٌ محيّر: إن كانت العلامات بهذا الوضوح، فلماذا يقع فيها الأذكياء والمتعلّمون أنفسهم؟ في الفصل التالي نجيب عن هذا اللغز المزعج. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ تثقيفٍ لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار.