لو كان الصندوق مؤسّسةً معزولة لانتهت القصّة بخسارة مستثمريه وإغلاقه. لكنّ ما جعل الأمر مختلفًا أنّ مراكزه الضخمة لم تكن معلّقةً في الفراغ، بل كانت مربوطةً بعقودٍ مع أكبر المصارف والمؤسّسات الماليّة في العالم. وهنا تنتقل القصّة من سؤال «ماذا خسر الصندوق؟» إلى سؤالٍ أكبر: «ماذا سيحدث للنظام كلّه إذا سقط فجأة؟».
شبكةٌ لا مؤسّسةٌ واحدة
كلّ صفقة مشتقّاتٍ أو اقتراضٍ لها طرفان، والصندوق كان الطرف المقابلالجهة الأخرى في عقدٍ ماليّ، كالمصرف الذي يقرض أو يبرم عقد مشتقّات، ومخاطر الطرف المقابل هي احتمال ألّا يفي هذا الطرف بالتزاماته، فيتحمّل الطرف الآخر الخسارة. لعددٍ كبير من المؤسّسات في عقودٍ تتجاوز قيمتها الاسميّة أرقامًا هائلة. فإذا انهار فجأة، سيجد كلّ هؤلاء أنفسهم مضطرّين إلى إغلاق مراكزهم أو استبدالها في الوقت نفسه، وفي أسواقٍ تعاني أصلًا من شحّ السيولة واتّساع الفروق. وهذا البيع الجماعيّ كان سيضرّ بمؤسّساتٍ أخرى تحمل مراكز مشابهة، فتنتقل العدوى من حلقةٍ إلى حلقة.
المخاطر النظاميّة ببساطة
هذا ما يُسمّى المخاطر النظاميّةخطر أن يؤدّي تعثّر مؤسّسةٍ أو سوقٍ واحدة إلى سلسلةٍ من الخسائر والتعثّرات في مؤسّساتٍ أخرى مترابطة معها، بحيث يتضرّر النظام الماليّ كلّه لا الأطراف المباشرة فقط.: ليس خطر أن تخسر مؤسّسةٌ واحدة، بل خطر أن تجرّ خسارتها غيرها. وقد شاع لاحقًا وصف «أكبر من أن يُترك ليسقط»، لكنّ قصّة الصندوق تضيف إليه بعدًا آخر: قد تكون المؤسّسة أكثر تشابكًا من أن يُترك سقوطها للفوضى، حتّى لو لم تكن الأكبر حجمًا. فالمعيار ليس الحجم وحده، بل عدد الخيوط التي تربطها بالآخرين ومدى تشابه مراكزها مع مراكزهم.
كيف جرى الإنقاذ
في سبتمبر 1998 جمع الاحتياطيّ الفيدراليّ في نيويورك كبار الدائنين والمؤسّسات المعنيّة، ودفع نحو حلٍّ خاصّ: أن يضخّ تحالفٌ من المصارف والمؤسّسات الماليّة رأس مالٍ جديدًا في الصندوق مقابل حصّةٍ كبيرة فيه وإشرافٍ على إدارته، حتّى تُصفّى مراكزه بهدوءٍ وعلى مراحل بدل بيعها دفعةً واحدة. ولم يُستخدم في ذلك مالٌ عامّ، فدور البنك المركزيّ كان التنسيق وتسهيل الاتّفاق. وقد خسر المستثمرون الأصليّون والشركاء معظم ما كانوا يملكونه في الصندوق، بينما تجنّب النظام الماليّ تصفيةً فوضويّة كان يُخشى أثرها. وفي الأسابيع التالية خفّض الاحتياطيّ الفيدراليّ أسعار الفائدة أكثر من مرّة، فهدأت الأسواق تدريجيًّا.
جدل الخطر الأخلاقيّ
أثار التدخّل نقاشًا لم يتوقّف حتّى اليوم. فمن جهة، حمى الترتيب الأسواق من اضطرابٍ واسع. ومن جهةٍ أخرى، خشي منتقدون أن يرسّخ ما يُعرف بالخطر الأخلاقيّ: أن تستنتج المؤسّسات الكبيرة أنّ أحدًا سيتدخّل إذا تعثّرت، فتتحمّل مخاطر أكبر ممّا كانت ستتحمّله لو كانت تتحمّل العواقب كاملة. ولا يحسم هذا الدليل الجدل، لكنّه ينبّه القارئ إلى أنّ العلاقة بين المخاطرة والعائد تختلّ حين يشعر من يجني الأرباح أنّ غيره سيتحمّل جزءًا من الخسائر.
رأينا كيف انتهت القصّة على مستوى المؤسّسات والنظام. في الفصل الأخير نعود إلى القارئ نفسه: ماذا يعني هذا كلّه لمستثمرٍ عاديّ لا يدير صندوقًا ولا يقترض بالمليارات؟ ونختم بخلاصة الكتاب. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في المخاطر والرافعة والسيولة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.