كلّ ما شرحناه في الفصول السابقة كان أشبه بموادّ قابلة للاشتعال مكدّسة في غرفةٍ واحدة. وفي صيف 1998 جاءت الشرارة. هذا الفصل لا يعيد رواية تفاصيل تلك الأسابيع، بل يتتبّع في خطوطٍ عامّة كيف تتابعت الصدمات، ولماذا كان أثرها على صفقات التقارب أكبر بكثير ممّا توقّعته أيّ حساباتٍ سابقة.
الشرارة: حكومةٌ تتوقّف عن السداد
في أغسطس 1998 أعلنت روسيا تخلّفها عن سداد جزءٍ من ديونها المحلّيّة وخفّضت قيمة عملتها. كان هذا الحدث صادمًا لأنّ كثيرين افترضوا أنّ دولةً كبيرة ذات ترسانةٍ نوويّة لن تُترك لتتعثّر. ووقوع التخلّف عن السدادأن يعجز المقترض، حكومةً كان أو شركة، عن سداد أصل الدين أو فوائده في موعدها وفق شروط الاقتراض، أو أن يعلن رسميًّا عدم التزامه بها، فيخسر المقرضون جزءًا من أموالهم أو كلّها. من مقترضٍ سياديّ بهذا الحجم لم يكن مجرّد خسارةٍ لحملة سنداته، بل كان ضربةً لافتراضٍ ضمنيّ كانت أسواقٌ كثيرة تُسعَّر على أساسه.
العدوى: من سوقٍ واحدة إلى كلّ الأسواق
ما جعل الحدث أزمةً عالميّة هو ما يُسمّى العدوى الماليّةانتقال الاضطراب من سوقٍ أو بلدٍ إلى أسواقٍ وبلدانٍ أخرى لا تربطها به صلةٌ اقتصاديّة مباشرة قويّة، عبر قنواتٍ مثل تراجع الثقة العامّة واضطرار المستثمرين إلى البيع في أماكن أخرى لتغطية خسائرهم.. فالمستثمرون الذين خسروا في روسيا اضطرّوا إلى البيع في أسواقٍ أخرى لتغطية خسائرهم أو تقليص مخاطرهم، والمستثمرون الذين لم يخسروا أعادوا تقييم كلّ ما يحملونه من مخاطر. فاندفع المال من كلّ مكان نحو أكثر الأصول أمانًا وسيولة، وعلى رأسها السندات الحكوميّة الأمريكيّة الأحدث إصدارًا. ويشرح درس أين تذهب الأموال حين تحمرّ الأسواق هذه الحركة العامّة للمال في أوقات الخوف.
لماذا أصابت صفقات التقارب في مقتل
تذكّر أنّ كثيرًا من صفقات الصندوق كانت تشتري الأصل الأقلّ سيولةً أو الأعلى مخاطرة، وتبيع الأصل الأكثر سيولةً أو الأكثر أمانًا. والهروب إلى الأمان يفعل العكس تمامًا: يرفع سعر الآمن السائل ويخفض سعر الخطر الأقلّ سيولة. فاتّسعت الفروق التي كان يراهن على تضيّقها، وفي أسواقٍ كثيرة في الوقت نفسه. ثمّ اجتمع عليه ما شرحناه: ارتفعت الارتباطات فخسرت الصفقات معًا، وجفّت السيولة فصعب الخروج، وكان المنافسون يحملون المراكز نفسها فزاد بيعهم الضغط، والرافعة العالية جعلت كلّ اتّساعٍ صغير يأكل جزءًا كبيرًا من رأس المال.
حين يتغذّى الخوف على نفسه
في مثل هذه الأسابيع ترتفع مقاييس الخوف، ويصبح المشهد حلقةً متسارعة: خسائر تجرّ نداءات هامش، ونداءات تجرّ بيعًا، وبيعٌ يوسّع الفروق، وفروقٌ أوسع تجرّ خسائر جديدة. ولم يكن أيٌّ من هذه العناصر وحده كافيًا لإسقاط الصندوق، لكنّ اجتماعها في وقتٍ واحد هو ما لم تتصوّره النماذج. ومع حلول سبتمبر كان الصندوق قد خسر الجزء الأكبر من رأس ماله، بينما بقيت مراكزه الضخمة مفتوحةً ومرتبطةً بعددٍ كبير من المؤسّسات الماليّة الكبرى.
وصل الصندوق إلى حافة الانهيار، لكنّ القصّة لم تنتهِ عند خسارة مستثمريه. في الفصل التالي نرى لماذا تحوّلت مشكلة صندوقٍ خاصّ إلى قضيّةٍ تخصّ النظام الماليّ كلّه، وكيف رُتّب إنقاذه. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في المخاطر والرافعة والسيولة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.