يروي روجر لوينستين في هذا الكتاب قصّة مؤسّسةٍ بدت لسنواتٍ مثالًا على ما يمكن أن يصنعه العقل المنظّم في الأسواق، ثمّ صارت مثالًا على ما يمكن أن يهدمه الإفراط في الثقة بهذا العقل. والصندوق المقصود هو «لونغ-تيرم كابيتال مانجمنت»، الذي تأسّس سنة 1994 على يد متداولٍ معروفٍ في أسواق السندات، وضمّ إلى فريقه أكاديميّين بارزين في الاقتصاد الماليّ نال اثنان منهم لاحقًا جائزة نوبل في الاقتصاد. وهذا الفصل يضع الأساس الذي يقوم عليه الدليل كلّه: أنّ البريق لا يلغي المخاطرة، بل قد يخفيها.
صندوقٌ من نوعٍ خاصّ
كان الصندوق من فئة صناديق التحوّطوعاءٌ استثماريّ خاصّ يجمع أموال مستثمرين كبار ومؤسّسات، ويتمتّع بحرّيّة واسعة في استخدام الاقتراض والبيع على المكشوف والمشتقّات، ويخضع عادةً لقيودٍ تنظيميّة وإفصاحٍ أقلّ من صناديق الاستثمار العامّة.، لكنّه لم يكن صندوقًا عاديًّا في عيون من تعاملوا معه. فقد جاء بفكرةٍ جذّابة: أن تُستخدم النماذج الرياضيّة والبيانات التاريخيّة للعثور على فروقٍ صغيرة في الأسعار بين أصولٍ متشابهة، ثمّ الرهان على أنّها ستعود إلى طبيعتها. ولم تكن الفكرة مقامرةً على اتّجاه السوق، بل بدت أقرب إلى حسابٍ هندسيّ دقيق، وهذا ما منحها جاذبيّتها لدى المستثمرين والمصارف معًا.
حين تصبح السمعة ضمانًا
تكمن المفارقة الأولى في القصّة في أنّ الأسماء اللامعة صارت نوعًا من الضمان غير المكتوب. فالمستثمر الذي يرى فريقًا بهذه المؤهّلات يميل إلى افتراض أنّ المخاطر محسوبة بدقّة، والمصرف الذي يقرض الصندوق يميل إلى التساهل في شروطه طمعًا في علاقةٍ مع مؤسّسةٍ مرموقة. وهنا يعمل ما يُعرف بأثر الهالة، وهو أحد الانحيازات التي يشرحها درس الانحيازات المعرفيّة في التداول: صفةٌ لامعة واحدة تجعلنا نفترض أنّ كلّ ما حولها لامعٌ أيضًا.
مثالٌ توضيحيّ بأرقامٍ مستديرة
تخيّل استراتيجيّتين حقّقت كلٌّ منهما عائدًا سنويًّا يقارب عشرين في المئة خلال ثلاث سنوات. الأولى تحتفظ بأصولٍ متنوّعة دون اقتراض، فتتذبذب صعودًا وهبوطًا بشكلٍ واضح. والثانية تكسب مبلغًا صغيرًا ثابتًا كلّ شهرٍ تقريبًا، لكنّها مبنيّة على افتراض أنّ حدثًا معيّنًا لن يقع، فإن وقع خسرت نصف رأس مالها أو أكثر. سجلّ الثانية يبدو أجمل بكثير، لكنّه لا يخبرنا شيئًا عن الحدث الغائب. وهذه هي الفكرة التي فصّلناها في دليل خدعة العشوائيّة: النتيجة الجيّدة شاهدٌ ضعيف على سلامة الطريقة.
الثقة بالنموذج لا تعني فهم حدوده
لم يكن استخدام النماذج خطأً في ذاته، فالنماذج أدواتٌ مفيدة لتنظيم التفكير وقياس ما يمكن قياسه. الخطأ يبدأ حين يُعامَل النموذج الماليّتمثيلٌ رياضيّ مبسّط لسلوك الأسعار أو المخاطر، يُبنى عادةً على بياناتٍ تاريخيّة وافتراضاتٍ عن طريقة تحرّك الأصول، ويفيد في التقدير والمقارنة لكنّه لا يحيط بكلّ ما يمكن أن يحدث. كأنّه وصفٌ كامل للعالم، فتُنسى الافتراضات التي بُني عليها، ويصبح السؤال «ما احتمال الخسارة؟» بديلًا عن السؤال الأهمّ: «كم نخسر إذا كان النموذج مخطئًا؟». وسنرى في الفصول القادمة كيف تراكمت هذه الثغرة الصغيرة حتّى صارت أزمةً احتاجت إلى تدخّلٍ استثنائيّ.
وضعنا في هذا الفصل الأساس الذي تقوم عليه القصّة. في الفصل التالي نشرح بلغةٍ بسيطة الفكرة التي قام عليها الصندوق: صفقات التقارب التي تراهن على فروقٍ صغيرة بين أصولٍ متشابهة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في المخاطر والرافعة والسيولة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.