الأسواق الهابطة تختبر الأعصاب بالخوف، والأسواق الصاعدة تختبرها بالطمع، أمّا المراحل العرضيّة الطويلة فتختبرها بشيءٍ أقلّ ظهورًا: الإنهاك. فحين تمرّ السنوات ولا يتغيّر شيءٌ يُذكر، يبدأ المستثمر في الشكّ في منهجه وفي نفسه. ويخصّص الكتاب مساحةً لهذه الفخاخ، ونجمعها هنا مع ما يعرضه علم المال السلوكيّ.
كلّ موجةٍ تبدو اتّجاهًا دائمًا
أوّل الفخاخ هو انحياز الحداثةميلٌ ذهنيّ إلى إعطاء الأحداث الأخيرة وزنًا أكبر ممّا تستحقّ، وافتراض أنّ ما حدث مؤخّرًا سيستمرّ في المستقبل، فيبالغ صاحبه في التفاؤل بعد الصعود وفي التشاؤم بعد الهبوط.. ففي المرحلة العرضيّة تتعاقب الموجات، ومن يقرأ آخر موجةٍ على أنّها الاتّجاه الدائم يشتري متحمّسًا بعد صعودٍ طويل ويبيع خائفًا بعد هبوطٍ حادّ، فيكرّر الخطأ نفسه في كلّ دورة. ويعرض درس التحيّزات المعرفيّة في التداول هذا الانحياز وغيره بأمثلةٍ عمليّة.
مطاردة القصص الرائجة
حين يبدو السوق العامّ عاجزًا عن الحركة، تبرز دائمًا قطاعاتٌ أو أفكارٌ تصعد بسرعة وتجذب الأضواء. وهنا يعمل الخوف من فوات الفرصة بقوّة: فالمستثمر الصبور يرى غيره يربح بسرعة، فيترك منهجه ليلحق بالموجة، وكثيرًا ما يصل متأخّرًا. ويحذّر الكتاب من أنّ المراحل العرضيّة تمتلئ بهذه الفقاعات الصغيرة التي تنفجر داخل النطاق الكبير، وأنّ من يطاردها يدفع غالبًا مضاعفاتٍ لا تبرّرها الأسس.
الملل والإفراط في النشاط
الفخّ الثالث هو الملل. فالمنهج الذي يقوم على الانتظار حتّى يأتي السعر المناسب قد يعني شهورًا بلا قرارات، وهذا صعبٌ على من يرى في الاستثمار نشاطًا يوميًّا. فيبدأ في التداول أكثر، أو في تخفيف معاييره، أو في البحث عن الإثارة في أدواتٍ أخطر. ويُسمّى ما يقابل هذا الإغراء أحيانًا انحياز الفعلميلٌ إلى الاعتقاد بأنّ فعل شيءٍ ما أفضل دائمًا من عدم الفعل، فيُكثر صاحبه من القرارات والصفقات حتّى حين لا تتوفّر أسبابٌ وجيهة لها، فترتفع التكاليف وتكثر الأخطاء.. ويعرض دليل الكتاب الصغير للاستثمار السلوكيّ كيف يكلّف هذا الانحياز المستثمرين كثيرًا.
أدوات حماية النفس
لا يَعِد الكتاب بأنّ المستثمر سيتخلّص من هذه الانحيازات، فهي جزءٌ من طبيعة البشر، لكنّه يقترح وسائل تقلّل أثرها: قواعد شراءٍ وبيعٍ مكتوبة، وأطروحة استثماريّة تُراجع دوريًّا، ومراقبةٌ أقلّ تكرارًا للأسعار، وتوقّعاتٌ واقعيّة عن العائد في المراحل العرضيّة. ويضيف دليل سيكولوجية المال أنّ أهمّ ما يحمي المستثمر هو أن يعرف نفسه ويبني خطّةً يستطيع الالتزام بها في أسوأ الأوقات لا في أفضلها.
تناولنا في هذا الفصل الفخاخ السلوكيّة. في الفصل الأخير نتوقّف عند حدود الإطار والانتقادات الموجّهة إليه، ثمّ نجمع خلاصة الكتاب. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التقييم ودورات الأسواق لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.