رأينا في الفصل السابق أنّ خلق النقود هو الأداة التي توازن الأدوات الانكماشيّة. والجهة التي تمسك بهذه الأداة في أغلب الاقتصادات هي البنك المركزيّ. وفي هذا الفصل نتتبّع كيف تتطوّر أدواته مع تعمّق الأزمة، ولماذا يضعف أثرها كلّما اقتربنا من نهاية دورة الدين الطويلة.
الأداة الأولى: سعر الفائدة
في الأحوال العاديّة يكفي أن يحرّك البنك المركزيّ سعر الفائدة ليؤثّر في الاقتراض والإنفاق. فخفض الفائدة يجعل الاقتراض أرخص، ويخفّف أقساط الديون المتغيّرة، ويرفع قيمة الأصول لأنّ التدفّقات المستقبليّة تصبح أثمن حين تُخصم بفائدةٍ أقلّ. وتراقب الأسواق كلّ إشارةٍ من البنك المركزيّ لتعرف هل يميل إلى التشديد أم إلى التيسير، وهو ما يُعرف بالنبرة المتشدّدة أو الحمائميّة.
المقرض الأخير في ساعة الذعر
حين تجفّ السيولة في ذروة الأزمة لا تكفي الفائدة وحدها، لأنّ المشكلة لم تعد كلفة الاقتراض بل استحالته. وهنا يؤدّي البنك المركزيّ دور المقرض الأخيرالجهة التي توفّر السيولة للمصارف والمؤسّسات الماليّة حين يعجز السوق عن ذلك في أوقات الذعر، بهدف منع تحوّل نقص النقد المؤقّت إلى انهيارٍ متسلسل.، فيقرض المؤسّسات التي تملك أصولًا جيّدة لكنّها تعجز مؤقّتًا عن تحويلها إلى نقد. والتمييز صعب في الممارسة بين مؤسّسةٍ تعاني نقصًا مؤقّتًا في السيولة وأخرى خسرت ملاءتها فعلًا، وهو تمييزٌ يرافقه دائمًا جدلٌ حول من يستحقّ الدعم ومن ينبغي أن يتحمّل خسائره.
حين تقترب الفائدة من الصفر
مع تكرار خفض الفائدة في الدورات القصيرة تصل الفائدة في نهاية الدورة الطويلة إلى مستوياتٍ قريبة من الصفر. وهنا يلجأ البنك المركزيّ إلى شراء السندات طويلة الأجل وأصولٍ أخرى ليخفض العوائد الطويلة ويضخّ السيولة. ويظهر أثر ذلك في عائد السندات وفي شكل منحنى العائد. لكنّ هذه الأداة تعمل عبر قنواتٍ غير مباشرة، فهي ترفع أسعار الأصول أوّلًا وتفيد من يملكها، قبل أن يصل أثرها إلى الأجور والتوظيف، إن وصل.
تراجع المردود مع كلّ جولة
يلفت الإطار إلى ما يمكن تسميته تراجع فعاليّة السياسة النقديّةتراجعٌ تدريجيّ في قدرة أدوات السياسة النقديّة على تحفيز الاقتصاد، يحدث حين تقترب الفائدة من الصفر وترتفع أسعار الأصول ويثقل الدين، فلا تولّد كلّ جولةٍ جديدة الأثر نفسه.. فالجولة الأولى من شراء الأصول قد تُحدث أثرًا كبيرًا لأنّ الأسواق في حالة ذعر، أمّا الجولات اللاحقة فتأتي والأسعار قد ارتفعت والفوائد منخفضة أصلًا، فيقلّ ما تضيفه. وعند هذه النقطة يصبح التنسيق بين السياسة النقديّة والإنفاق الحكوميّ أكثر أهمّيّة، وتعود إلى الواجهة أسئلةٌ عن استقلال البنك المركزيّ وحدود دوره. وقد تبقى الفائدة الحقيقيّة، أي الفائدة بعد خصم التضخّم، سالبةً مدّةً طويلة في هذه المرحلة.
رأينا في هذا الفصل كيف تتطوّر أدوات البنك المركزيّ مع تعمّق الأزمة. في الفصل التالي ننتقل إلى البعد الخارجيّ: ربط العملات وهروب رؤوس الأموال، ولماذا يجد بعض البلدان نفسه مخيّرًا بين خياراتٍ كلّها مؤلمة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الدين والدورات الاقتصاديّة والسياسة النقديّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.