من أقدم الأدوات التي استعملها مستثمرو القيمة مقارنةُ سعر السهم بما يقابله من صافي أصول الشركة كما تظهر في دفاترها. والكتاب يعرض هذه الأداة بوصفها واحدةً من أبسط الطرق لتضييق عالم الأسهم الواسع إلى قائمةٍ أصغر تستحقّ النظر. لكنّه، ومعه كلّ ممارسٍ جادّ، يحذّر من أن تتحوّل الأداة إلى قرار. وفي هذا الفصل نشرح الفكرة بلغتنا، ثمّ نتوقّف طويلًا عند فخاخها.
ما القيمة الدفتريّة؟
القيمة الدفتريّةما يبقى للمساهمين في دفاتر الشركة بعد طرح جميع التزاماتها من جميع أصولها، أي حقوق الملكيّة المسجّلة محاسبيًّا. وهي تعتمد غالبًا على التكلفة التاريخيّة للأصول لا على قيمتها السوقيّة الحاليّة. هي، بعبارةٍ بسيطة، ما يملكه المساهمون في الشركة على الورق: مجموع الأصول ناقص مجموع الديون والالتزامات. وحين نقسم القيمة السوقيّة للشركة على هذا الرقم، نحصل على نسبة السعر إلى القيمة الدفتريّة. فإن كانت النسبة أقلّ من واحد، فهذا يعني أنّ السوق يقيّم الشركة بأقلّ ممّا تقول دفاترها إنّها تملكه. وتعرّف صفحة القيمة السوقيّة الطرف الآخر من هذه المعادلة.
لماذا تصلح نقطة انطلاق؟
تكمن جاذبيّة هذه الأداة في أنّها تبحث عن أسهمٍ تجاهلها السوق أو عاقبها بقسوة. فالشركة التي تُباع بأقلّ من قيمة أصولها المسجّلة غالبًا ما تكون في صناعةٍ غير محبوبة، أو مرّت بسنواتٍ ضعيفة، أو لا يتحدّث عنها أحد. وهذه بالضبط هي البيئة التي يبحث فيها مستثمر القيمة عن الخصومات. ثمّ إنّ القيمة الدفتريّة أقلّ تقلّبًا من الأرباح في معظم الشركات، فهي لا تقفز من سنةٍ إلى أخرى بالقدر نفسه، ممّا يجعلها مرجعًا أكثر ثباتًا للمقارنة، خصوصًا في الشركات ذات الأصول الملموسة كالمصارف والصناعات الثقيلة والعقار.
الفخّ الأوّل: أصولٌ لا تساوي ما سُجّلت به
الدفاتر تسجّل الأصول غالبًا بتكلفتها التاريخيّة ناقص الاستهلاك، لا بما يمكن بيعها به اليوم. فالمصنع الذي بُني لإنتاج سلعةٍ لم يعد أحدٌ يطلبها قد يظهر في الدفاتر بقيمةٍ كبيرة، بينما لا يدفع فيه أحدٌ شيئًا يُذكر. والمخزون المتقادم، والديون المستحقّة على زبائن متعثّرين، والأصول المسجّلة باسم «الشهرة» بعد استحواذاتٍ مكلفة، كلّها قد تضخّم القيمة الدفتريّة بما لا يعكس الواقع. ولذلك يميّز المستثمر الحذر بين الأصول الملموسة التي يمكن التحقّق من قيمتها، والأصول التي تحتاج إلى نظرٍ أعمق.
الفخّ الثاني: قيمةٌ لا تظهر في الدفاتر
الوجه المعاكس للمشكلة أنّ بعض الشركات تقوم قيمتها الحقيقيّة على أشياء لا تسجّلها الدفاتر جيّدًا: علامةٌ تجاريّة يثق بها الناس، أو برامج طوّرتها الشركة بنفسها، أو شبكةُ زبائن وفيّة. هذه الشركات تبدو «غالية» بمقياس القيمة الدفتريّة دائمًا، وقد تكون في الحقيقة رخيصةً قياسًا إلى ما تكسبه. ولهذا لا تصلح الأداة وحدها لكلّ الصناعات، ويعالج دليل الخنادق الاقتصاديّة هذا النوع من المزايا غير الملموسة التي تفوت النظرة الدفتريّة.
مثالٌ توضيحيّ من عندنا
تخيّل شركتين افتراضيّتين تُباع كلٌّ منهما بنصف قيمتها الدفتريّة. الأولى شركة تأجيرٍ عقاريّ تملك مبانيَ مؤجّرة في أحياءٍ مستقرّة، وديونها معتدلة، وقيمة مبانيها في السوق تقارب ما في دفاترها أو تزيد. والثانية مصنعٌ لأجهزةٍ تجاوزتها التقنية، أغلب أصوله آلاتٌ متخصّصة ومخزونٌ لا يتحرّك، وخسائره تأكل حقوق مساهميه كلّ سنة. النسبة نفسها في الحالتين، لكنّ القصّة مختلفةٌ تمامًا: في الأولى قد يكون الخصم حقيقيًّا، وفي الثانية قد تكون القيمة الدفتريّة نفسها في طريقها إلى الذوبان. والمثال افتراضيّ للتوضيح.
في الفصل التالي ننتقل إلى الأداة الشقيقة: مكرّر الربحيّة المنخفض، وما يكشفه وما يخفيه، ولماذا قد تكون الأرباح نفسها، لا السعر، هي موضع الخداع. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الاستثمار لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.