بعد أن أثبت ثارب أنّ تحديد حجم المركز هو مفتاح النتائج، ينتقل إلى «كيف» نحدّده. يستعرض عدّة نماذج، لكنّه يقدّمها بوصفها طرقًا في التفكير لا وصفاتٍ تُنسخ حرفيًّا، اتّساقًا مع رسالته الأولى بأنّ لا نظام واحدًا يصلح للجميع. سنقف هنا عند أشهرها وأوضحها مفهومًا: المخاطرة بنسبةٍ ثابتة من رأس المال في كلّ صفقة، لأنّه يجسّد المبدأ الجوهريّ الذي تدور حوله بقيّة النماذج.
النسبة الثابتة من رأس المال
فكرة المخاطرة بنسبةٍ ثابتةنموذجٌ لتحديد حجم المركز يخاطر في كلّ صفقةٍ بنسبةٍ محدّدة من قيمة الحساب الحاليّة لا بمبلغٍ جامد؛ فتكبر وحدة المخاطرة تلقائيًّا مع نموّ الحساب وتصغر مع تراجعه، فتبقى المخاطرة متناسبةً دائمًا مع حجمه. أن نقرّر نسبةً مئويّة صغيرة من قيمة الحساب نخاطر بها في كلّ صفقة. فلو خاطرت بواحدٍ في المئة من حسابٍ قدره عشرة آلاف وحدة، كانت وحدة مخاطرتك مئة وحدة؛ ولو نما الحساب إلى عشرين ألفًا صارت مئتين، ولو تراجع إلى خمسة آلاف صارت خمسين. لاحظ الأناقة: النموذج يكيّف حجم المخاطرة تلقائيًّا مع حجم الحساب، فيخاطر أكثر حين تسمح الظروف وأقلّ حين يتراجع، دون قرارٍ انفعاليّ في كلّ مرّة. هذه مجرّد أرقامٍ توضيحيّة لتقريب الفكرة لا نسبةً موصى بها.
طبع النموذج وحدوده
لهذا التكيّف وجهان. في وجهه الحسن يسرّع النموّ في فترات الرواج ويكبح الضرر في فترات التراجع، لأنّ الوحدة تصغر مع تقلّص الحساب فتبطئ نزيفه. لكنّ له وجهًا آخر: بعد سلسلة خسائر يصغر حجم المخاطرة، فيحتاج الحساب إلى جهدٍ أكبر ليتعافى إذ يعمل على قاعدةٍ أصغر. وكلّما ارتفعت النسبة المختارة زاد النموّ المحتمل لكن عمُق التراجعالهبوط في قيمة الحساب من قمّته إلى قاعٍ لاحق قبل تعافيه؛ ترفع النسبة الأعلى من المخاطرة نموّه المحتمل لكنّها تعمّق تراجعه في سلاسل الخسائر، فيصير اختيار النسبة موازنةً بين سرعة النموّ واحتمال التعافي. المحتمل أيضًا. فاختيار النسبة موازنةٌ دقيقة بين طموح النموّ واحتمال الصمود، لا سعيٌ إلى أعلى رقمٍ ممكن.
لا وصفة تصلح للجميع
يعود ثارب هنا إلى بيت القصيد: لا نسبة واحدة صحيحة للكلّ. النسبة التي تلائم ساعيًا إلى نموٍّ سريع يحتمل تقلّبًا واسعًا تختلف عمّا يلائم حريصًا على حفظ رأس ماله. المطلوب أن يفهم المتداول مبدأ التكييف ثمّ يفصّله على أهدافه وطبعه، وهذا ما تبنيه دروس خطّة التداول في أكاديميّة أُسس: أن تُشتقّ نسبة المخاطرة من هدفٍ واضح وقدرةٍ معلومة على التحمّل، لا أن تُقتبس رقمًا من متداولٍ آخر تختلف ظروفه عنك.
فهمنا مبدأ تكييف حجم المركز مع الحساب. في الفصل الأخير نجمع خيوط الكتاب: كيف نقيّم أداء النظام، ولماذا يبقى الانضباط النفسيّ ومواصلة التحسين هما ما يحوّل نظامًا جيّدًا إلى نتائج دائمة. وتذكّر أنّ ما هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، والأرقام أمثلةٌ توضيحيّة لا توصياتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار.