كثيرٌ من الأسئلة التي تواجهنا تبدو للوهلة الأولى مستحيلة الإجابة، فنميل إلى أحد طريقين: أن نقول «لا أحد يعرف» ونتوقّف، أو أن نقفز إلى رقمٍ يخطر في البال دون تفكير. ويقترح الكتاب طريقًا ثالثًا أكثر نفعًا: أن نفكّك السؤال الكبير إلى أسئلةٍ صغيرة نستطيع تقديرها، ثمّ نعيد تركيبها.
طريقة العالِم الذي قدّر كلّ شيء
اشتهر الفيزيائيّ الإيطاليّ إنريكو فيرمي بقدرته على تقدير كمّيّاتٍ تبدو مجهولةً تمامًا بدقّةٍ معقولة، اعتمادًا على سلسلةٍ من الافتراضات البسيطة. وصار اسمه مرتبطًا بنوعٍ من التمارين يُعرف باسم تقدير فيرميأسلوبٌ في التقدير التقريبيّ يقوم على تفكيك سؤالٍ يصعب الإجابة عنه مباشرةً إلى عواملَ أصغر، يُقدَّر كلٌّ منها تقديرًا معقولًا، ثمّ تُضرب أو تُجمع للوصول إلى رقمٍ قريبٍ من الحجم الصحيح.. والغاية من هذا التقدير ليست الرقم الدقيق، بل الوصول إلى الحجم الصحيح تقريبًا: هل نتحدّث عن عشرات أم آلاف أم ملايين؟ ويرى الكتاب أنّ هذه العادة من أهمّ ما يميّز المتوقّعين الجيّدين، لأنّها تحوّل الغموض إلى خطواتٍ يمكن التفكير فيها.
مثالٌ توضيحيّ من عندنا
لنفترض أنّ أحدهم سأل: كم مدرسةً ابتدائيّة تحتاجها مدينةٌ يسكنها مليون نسمة؟ لا نعرف الرقم، لكنّنا نستطيع التفكيك. أوّلًا: ما نسبة الأطفال في سنّ المرحلة الابتدائيّة من السكّان؟ لنفترض أنّها نحو عشرة في المئة، أي قرابة مئة ألف طفل. ثانيًا: كم طالبًا تستوعب المدرسة المتوسّطة؟ لنفترض نحو خمسمئة. إذن نحتاج إلى قرابة مئتي مدرسة. قد يكون الرقم الفعليّ مئةً وخمسين أو مئتين وخمسين، لكنّنا ابتعدنا كثيرًا عن العجز التامّ. والأهمّ أنّ افتراضاتنا صارت مكتوبة: إن كانت نسبة الأطفال أعلى في هذه المدينة، نعرف أين نعدّل. والأرقام هنا افتراضيّة تمامًا وغايتها توضيح الطريقة.
التفكيك في أسئلة التوقّع
ينقل الكتاب هذه الطريقة من الكمّيّات إلى الأحداث. فبدل أن تسأل مباشرةً «هل سينجح هذا المشروع؟» تسأل: ما الشروط التي يجب أن تتحقّق لينجح؟ وما احتمال كلّ شرط؟ وهل هذه الشروط مستقلّةٌ أم يرتبط بعضها ببعض؟ وغالبًا ما يكشف هذا التفكيك أنّ الحدث الذي يتطلّب تحقّق شروطٍ كثيرة معًا أقلّ احتمالًا ممّا يوحي به الحدس، لأنّ احتمالات الشروط تتضاءل حين تجتمع. كما يكشف التفكيك موضع الخلاف بين شخصين: فقد يتّفقان على كلّ شيءٍ إلّا على جزءٍ واحد، فيعرفان أين يبحثان. ويشرح درس إدارة المخاطر كيف يقود التفكير في الأجزاء والسيناريوهات إلى قراراتٍ أكثر تحفّظًا.
ما يعنيه ذلك لمتعلّم الأسواق
حين تقرأ رأيًا يقول إنّ أمرًا ما «حتميّ»، جرّب أن تفكّكه: ما السلسلة التي يفترضها هذا الرأي؟ كم حلقةً فيها؟ وما احتمال أن تنقطع حلقةٌ واحدة؟ ستكتشف كثيرًا أنّ الحتميّة المزعومة تقوم على سلسلةٍ طويلة من الافتراضات المتتابعة. لكنّ التفكيك لا يحوّل الأسواق إلى مسألةٍ حسابيّة يمكن حلّها، فالأسعار تتأثّر بعوامل كثيرة متشابكة، بعضها نفسيّ وبعضها مفاجئ. والفائدة الحقيقيّة أن تفهم حدود معرفتك، وأن تقدّر ما قد يحدث لقراراتك في السيناريوهات المختلفة، لا أن تستخرج اتّجاهًا قادمًا.
تعلّمنا كيف نفكّك السؤال. لكن من أين نبدأ التقدير؟ في الفصل التالي نتعرّف إلى إحدى أهمّ عادات المتوقّع الجيّد: أن يبدأ بالنظرة الخارجيّة، أي بما يحدث عادةً في الحالات المشابهة، قبل أن يغوص في تفاصيل الحالة التي أمامه. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاحتماليّ لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.