رأينا في الفصل السابق كيف يضلّلنا ما نراه على الشاشة. وفي هذا الفصل ننتقل إلى خداعٍ أخفى: ما لا نراه على الإطلاق. فالعالم يعرض علينا قصص الناجين بسخاء، في المقابلات والكتب ومواقع التواصل، ويخفي عنّا بهدوءٍ كلّ من حاول ولم ينجح. ومن هذا الغياب يولد واحدٌ من أكثر الأوهام شيوعًا في الأسواق.
المقبرة التي لا يزورها أحد
يسمّى هذا الوهم انحياز النجاةخطأٌ في الاستدلال يحدث حين نبني استنتاجاتنا على من بقوا أو نجحوا فقط، متجاهلين من خرجوا أو فشلوا لأنّهم لم يعودوا ظاهرين، فتبدو الطريقة أو المجموعة أنجح ممّا هي في الحقيقة.. تخيّل ألف شخصٍ بدأوا التداول بالطريقة نفسها في العام نفسه. بعد خمس سنوات بقي منهم خمسون بأرباحٍ جيّدة، وخرج الباقون بعد أن فقدوا رؤوس أموالهم أو ملّوا. من سيكتب عن تجربته؟ ومن سيُدعى إلى المقابلات؟ إنّهم الخمسون، وسيبدو لكلّ من يسمعهم أنّ الطريقة ناجحة، مع أنّ نسبة النجاح فيها خمسةٌ في المئة فقط. والأرقام هنا توضيحيّة، لكنّ الصورة الواقعيّة ليست بعيدة؛ ويعرض درس لماذا يخسر معظم المتداولين جانبًا منها.
حين يكون الناجي محظوظًا فقط
ويضيف الكتاب نقطةً أعمق: حتّى لو لم يكن في الطريقة أيّ قيمة، فإنّ مجموعةً كبيرة من المحاولين ستُخرج بالصدفة وحدها عددًا من الناجين أصحاب السجلّات المبهرة. وكلّما كبرت المجموعة زاد عدد هؤلاء. وهنا يدخل انحياز الاختيارتشوّهٌ يحدث حين لا تمثّل العيّنة التي ندرسها المجموعة كلّها، لأنّ طريقة اختيارها أو ظهورها أمامنا تستبعد بعض الحالات بانتظام، كأن نرى الصناديق التي بقيت فقط لا التي أُغلقت. في صورٍ كثيرة: قوائم أفضل الصناديق تُعرض بعد أن تُغلق الصناديق الضعيفة وتختفي من الإحصاءات، ومقدّمو التوصيات يبرزون صفقاتهم الرابحة ويتجاهلون الخاسرة. ويشرح درس فخّ إشارات التداول المجانيّة كيف يُستغلّ هذا الانحياز في التسويق.
كيف نقرأ قصص النجاح بإنصاف
ليس المطلوب أن نستخفّ بكلّ ناجح، فبعض الناجين يملكون مهارةً حقيقيّة. والكتب التي تجمع مقابلات المتداولين المتميّزين، مثل ما عرضناه في دليل سحرة الأسواق، مفيدةٌ لما تكشفه من عاداتٍ في الانضباط وإدارة المخاطر أكثر من قيمتها دليلًا على أنّ طريقةً بعينها تضمن النجاح. والقراءة المنصفة تسأل: كم بدأ؟ وكم بقي؟ وهل كان يمكن أن يظهر هذا السجلّ بالصدفة بين هذا العدد؟ وما الذي يشترك فيه الناجون ولا يشترك فيه الخاسرون، إن وُجد أصلًا؟
انحياز النجاة في حياتك أنت
ويمتدّ هذا الانحياز إلى تجربتنا الشخصيّة. فالمتداول الذي نجا من بضع صفقاتٍ خطرة قد يستنتج أنّ المخاطرة الكبيرة لا تضرّ، لأنّه لم يرَ بعد المسار الذي تنتهي فيه بالخروج من اللعبة. وكون الشيء لم يؤذِك حتّى الآن ليس دليلًا على أنّه آمن.
تعلّمنا في هذا الفصل أن نسأل عن الغائبين قبل أن نصدّق الحاضرين. في الفصل التالي نتناول وجهًا قريبًا من المشكلة: لماذا نثق بعددٍ قليل من النتائج أكثر ممّا يستحقّ، وما الذي يقوله قانون الأعداد الكبيرة عن ذلك. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاحتماليّ وسلوك المستثمر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.