يبدأ برِت ستينبارغر كتابه من نقطةٍ يتجاوزها معظم كتب التداول: قبل أن نسأل كيف نقرأ السوق، علينا أن نسأل من الذي يقرأ. فالمؤلّف مختصٌّ في علم النفس قضى سنواتٍ يراقب المتداولين ويعمل معهم، ولاحظ أنّ الفرق بين يومٍ جيّد ويومٍ سيّئ لا يعود دائمًا إلى السوق ولا إلى الطريقة، بل كثيرًا ما يعود إلى حالة الشخص الذي يجلس أمام الشاشة. وهذا الفصل يضع الأساس الذي يقوم عليه الدليل كلّه: أنّ المتداول نفسه جزءٌ من أدوات التحليل.
العدسة قبل الصورة
تخيّل مصوّرًا يملك أفضل كاميرا في السوق لكنّ عدستها مغبّشة. لن تنفعه دقّة الجهاز ما دام الضوء يمرّ عبر زجاجٍ غير صافٍ. وكذلك المتداول: قد يملك رسومًا بيانيّة واضحة وخطّةً مكتوبة، لكنّ كلّ ذلك يمرّ عبر انتباهه وتقديره قبل أن يصير قرارًا. وفي علم النفس يُسمّى هذا المرور الإدراكالعمليّة الذهنيّة التي ننتقي بها المعلومات من حولنا وننظّمها ونفسّرها، وهي لا تنقل الواقع كما هو بل تتأثّر بالانتباه والتوقّعات والحالة الانفعاليّة والخبرات السابقة.، وهو ليس نسخًا أمينًا للواقع بل تفسيرٌ له. فالشخص المرهق أو القلق يلتقط من الشاشة أشياءً غير التي يلتقطها الشخص المرتاح الصافي الذهن، حتّى لو نظرا إلى الرسم نفسه في اللحظة نفسها.
حين تتغيّر الحالة يتغيّر السوق في عينيك
يلفت الكتاب إلى أنّ الحالة الذهنيّة ليست خلفيّةً محايدة، بل تشكّل ما نلاحظه أصلًا. المتداول المتحمّس بعد سلسلة أرباح يميل إلى رؤية الفرص في كلّ مكان، والمتداول الخائف بعد خسارة قد يرى الخطر في إعدادٍ سليم. ولهذا قد يتّخذ الشخص نفسه قرارين متناقضين في يومين متتاليين أمام ظروفٍ متشابهة. ومن المفيد هنا قراءة درس نفسيّة التداول في أكاديميّة أُسس، فهو يعرض الانفعالات الأكثر شيوعًا وكيف تتسلّل إلى القرار دون أن نشعر.
المعرفة لا تكفي وحدها
من الأفكار المتكرّرة في الكتاب أنّ معظم المتداولين يعرفون القواعد: ضع حدًّا للخسارة، لا تطارد السعر، التزم بحجم مخاطرةٍ ثابت. والمشكلة ليست في المعرفة بل في تطبيقها تحت الضغط. فالمعرفة تُخزَّن في حالةٍ هادئة، والقرار يُتّخذ غالبًا في حالةٍ مختلفة. وهذا الفارق بين ما نعرفه وما نفعله هو موضوع الكتاب الحقيقيّ، وهو ما يجعله قريبًا من دليلنا لكتاب التداول في المنطقة الذي يعالج الفجوة نفسها من زاويةٍ أخرى.
أن تراقب نفسك كما تراقب السوق
ما الذي يترتّب عملًا على هذه الفكرة؟ يقترح الكتاب أن يضيف المتداول إلى قائمة ما يتابعه مؤشّرًا لا يظهر على الشاشة: حالته هو. هل نام جيّدًا؟ هل يتداول ليعوّض خسارة الأمس؟ هل يشعر بملل يدفعه إلى صفقاتٍ لا حاجة إليها؟ هذه أسئلةٌ تبدو بسيطة، لكنّ طرحها بانتظام يحوّل الحالة الذهنيّة من قوّةٍ خفيّة تحرّك القرار إلى معلومةٍ يمكن أخذها في الحسبان. وسنعود في الفصل الخامس إلى أدوات هذه الملاحظة الذاتيّةقدرة الشخص على ملاحظة أفكاره ومشاعره ودوافعه وأنماط سلوكه أثناء حدوثها أو بعدها، دون أن يذوب فيها تمامًا، وهي الخطوة الأولى في أيّ محاولةٍ لتغيير السلوك. بالتفصيل.
وضعنا في هذا الفصل الأساس الذي يقوم عليه الكتاب. في الفصل التالي نقترب أكثر من الانفعالات نفسها: كيف يشوّه الخوف والطمع والإحباط القرار، ولماذا لا يكون الحلّ في إلغاء المشاعر بل في فهمها. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في سلوك المتداول وانضباطه لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.