بعد أن رأينا كيف يخفّف الزمن أثر التقلّب، قد يميل القارئ إلى استنتاجٍ متسرّع: ما دام الأفق طويلًا فلا يهمّ متى أدخل ولا بأيّ ثمن. الكتاب يحذّر من هذا الاستنتاج. فالسعر الذي تدفعه اليوم يحدّد جزءًا ممّا ستحصل عليه غدًا، حتّى لأطول المستثمرين نفَسًا.
ماذا تشتري حين تشتري السوق؟
حين تشتري حصّةً في السوق، فأنت في الحقيقة تشتري نصيبًا من أرباح الشركات الحاليّة والمستقبليّة. والسؤال الطبيعيّ: كم تدفع مقابل كلّ وحدةٍ من هذه الأرباح؟ هذا ما يقيسه مكرّر الأرباح: سعر السهم مقسومًا على ربحه السنويّ. فإن كان المكرّر خمسة عشر، فأنت تدفع خمسة عشر مقابل كلّ واحدٍ من الأرباح السنويّة. وإن كان ثلاثين، فأنت تدفع ضعف ذلك للأرباح نفسها.
قلب الكسر
من الأدوات البسيطة التي يستخدمها الكتاب للتفكير في هذا الأمر عائد الأرباحمقلوب مكرّر الأرباح، أي الربح السنويّ للسهم مقسومًا على سعره، ويُعبَّر عنه نسبةً مئويّة، ويعطي تصوّرًا تقريبيًّا لما تمثّله الأرباح الحاليّة من كلّ مبلغٍ يُدفع في الأصل، دون أن يكون عائدًا مضمونًا.، وهو ببساطة المكرّر مقلوبًا. مكرّرٌ قدره عشرون يقابله عائد أرباحٍ قدره خمسة في المئة، ومكرّرٌ قدره عشرة يقابله عشرة في المئة. وهذه الصياغة مفيدة لأنّها تسمح بمقارنةٍ تقريبيّة مع ما تدفعه السندات، وإن كانت المقارنة غير دقيقة تمامًا: فأرباح الشركات قد تنمو أو تنكمش، أمّا فائدة السند فثابتة اسميًّا. ومن أراد التعمّق في منطق التقييم يجده في دليلنا لكتاب الكتاب الصغير في التقييم.
ميلٌ لا قانون
تاريخيًّا، ارتبطت فترات التقييم المرتفع جدًّا في المتوسّط بعوائد لاحقة أضعف على مدى السنوات الطويلة التي تلتها، وارتبطت فترات التقييم المنخفض بعوائد لاحقة أفضل. ويمكن فهم هذا بفكرة الارتداد نحو المتوسّطميلٌ تاريخيّ لمقاييس التقييم إلى الابتعاد عن متوسّطها الطويل ثمّ الاقتراب منه مجدّدًا مع الزمن، دون أن يكون لهذا الاقتراب موعدٌ معروف أو مسارٌ محدّد، ودون ضمانٍ بأنّ المتوسّط نفسه سيبقى ثابتًا.: من يدفع ثمنًا مرتفعًا جدًّا يراهن ضمنيًّا على أن يبقى الثمن مرتفعًا أو أن تنمو الأرباح بسرعةٍ تبرّره. لكنّ هذا ميلٌ إحصائيّ على مدى طويل، لا ساعةٌ تخبرك متى يحدث التصحيح. فقد تبقى التقييمات مرتفعة سنواتٍ طويلة، وقد يتغيّر «المتوسّط» نفسه مع تغيّر طبيعة الاقتصاد وأسعار الفائدة.
التقييم يعدّل التوقّعات لا القرار اليوميّ
كيف يستخدم المستثمر طويل الأجل هذه الفكرة إذن؟ ليس في محاولة القفز داخل السوق وخارجها، فهذه لعبةٌ يخسرها معظم من يحاولها، كما يشرح درس خرافة توقيت السوق. بل في أن يعدّل توقّعاته: حين تكون التقييمات مرتفعة، من الحكمة أن يتوقّع عوائد مستقبليّة أكثر تواضعًا، وأن يخطّط على هذا الأساس فيدّخر أكثر أو يطيل أفقه، بدل أن يفترض أنّ الماضي القريب سيتكرّر.
رأينا أنّ ثمن الدخول يهمّ. في الفصل التالي نوسّع الصورة ونقارن الأسهم بالبدائل التي يلجأ إليها الناس عادةً: السندات والذهب والنقد، وكيف يتعامل كلٌّ منها مع عدوٍّ مشترك هو التضخّم. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الاستثمار طويل الأجل لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.