الدورات التي رأيناها في الفصل السابق لها محرّكٌ نفسيّ يعطيه ماركس صورةً لا تُنسى: البندول. تخيّل رقّاصًا معلّقًا يتأرجح من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؛ هكذا يتحرّك مزاج السوق تمامًا، لا يستقرّ في الوسط بل يندفع من طرفٍ إلى نقيضه، حاملًا الأسعار معه في رحلته.
بين الطرفين
يصف ماركس البندول بأنّه يتأرجح بين ثنائيّاتٍ متقابلة: بين الجشعالاندفاع المفرط نحو الشراء طمعًا في مزيدٍ من الربح، فيتجاهل المستثمر المخاطر ويدفع أسعارًا مبالغًا فيها؛ وهو الطرف الذي يسود قمم الأسواق.و الخوفالاندفاع المفرط نحو البيع هربًا من مزيدٍ من الخسارة، فيتخلّى المستثمر عن أصولٍ سليمةٍ بأبخس الأثمان؛ وهو الطرف الذي يسود قيعان الأسواق.، وبين التفاؤل الذي يرى كلّ شيءٍ ورديًّا والتشاؤم الذي يرى كلّ شيءٍ قاتمًا، وبين الثقة المفرطة والاستسلام. حين يميل البندول نحو الجشع، يصدّق المستثمرون كلّ خبرٍ جيّد ويتجاهلون كلّ نذير خطر، فترتفع الأسعار فوق القيمة. وحين يميل نحو الخوف، ينقلب الأمر فيصدّقون كلّ خبرٍ سيّئ ويتجاهلون كلّ بارقة أمل، فتهبط الأسعار دون القيمة.
الاعتدال لحظةٌ عابرة
الملاحظة الأذكى عند ماركس أنّ البندول، رغم أنّ نقطة توازنه في المنتصف، لا يكاد يقف عندها. إنّه يمرّ بالاعتدال مرورًا سريعًا في طريقه من طرفٍ إلى طرف، ويقضي معظم وقته متأرجحًا نحو أحد التطرّفين. أي إنّ «السوق العادل» حالةٌ نظريّة نادرة الحدوث في الواقع؛ فالغالب أن يكون السوق إمّا متفائلًا أكثر ممّا ينبغي أو متشائمًا أكثر ممّا ينبغي. من ينتظر السعر العادل «الطبيعيّ» ينتظر ما لا يدوم، والأجدى أن يفهم أنّ التطرّف هو القاعدة.
الطرف يحمل بذرة عودته
كما في الدورة، يحمل كلّ تطرّفٍ سبب انعكاسه. حين يبلغ البندول أقصى الجشع، يكون كلّ من أراد الشراء قد اشترى بالفعل، فلا يبقى وقودٌ يرفع السعر أكثر، فيبدأ التراجع. وحين يبلغ أقصى الخوف، يكون كلّ من أراد البيع قد باع، فلا يبقى من يضغط السعر أكثر، فيبدأ التعافي. إدراك هذه الآليّة يحرّر المستثمر من الانجراف: فبدل أن يشتدّ حماسه مع اشتداد حماس الجموع، يقرأ في ذروة الحماس علامة اقتراب الانعكاس.
أن تكون المقياس لا الممثّل
الدرس العمليّ أن تجعل من البندول مقياسًا تقرأ به موقع السوق، لا تيّارًا يجرفك معه. حين تلاحظ الجشع الجماعيّ في ذروته، فتلك لحظة حذرٍ لا اندفاع؛ وحين تلاحظ الخوف الجماعيّ في قاعه، فتلك لحظة تأمّلٍ في الفرص لا فرار. لكنّ الوقوف عكس البندول أصعب ممّا يبدو، لأنّه يعني مخالفة شعور كلّ من حولك. لهذا يخصّص ماركس فصله التالي لأخطر ما يواجه المستثمر: قوى النفس التي تدفعه للانجراف، وكيف يقاومها، وهو ما نمهّد له في الوعي المالي.
عرفنا كيف يتأرجح البندول النفسيّ للسوق. لكن كيف نمنعه من أن يتأرجح بنا نحن؟ في الفصل التالي نواجه التحيّزات النفسيّة التي تدفع المستثمر إلى الانجراف: الجشع والخوف والقطيع والحسد، وكيف نقاومها عمليًّا.