بعد أن رأينا كيف يتأرجح الخطر مع مزاج الجموع، يوسّع ماركس العدسة ليكشف قانونًا أعمّ يحكم كلّ ما في الأسواق: لا شيء يسير في خطٍّ مستقيم. الاقتصاد والأرباح والأسعار وشهيّة المستثمرين، كلّها تتحرّك في دوائر تصعد وتهبط ثمّ تعود. من يدرك هذا يقرأ اللعبة بعينٍ مختلفة، ومن يغفل عنه يظنّ كلّ صعودٍ بدايةً لا نهاية له.
لماذا الحركة دائريّة
يشرح ماركس أنّ السبب في دائريّة كلّ شيءٍ ليس مصادفةً بل طبيعةٌ متأصّلة في النظام. الازدهار يولّد تفاؤلًا، والتفاؤل يولّد إفراطًا في الإنفاق والإقراض والاستثمار، والإفراط يبني هشاشةً تنهار في النهاية فيبدأ الهبوط. ثمّ يولّد الهبوط تشاؤمًا، والتشاؤم يولّد حذرًا مفرطًا وأسعارًا زهيدة، تمهّد بدورها لتعافٍ جديد. أي إنّ كلّ مرحلةٍ تصنع بذرة المرحلة التالية. هذا هو مبدأ الدوراتحركة الاقتصاد والأسواق صعودًا وهبوطًا في مراحل متعاقبة: ازدهارٌ يولّد إفراطًا يؤدّي إلى كسادٍ يولّد حذرًا يمهّد لازدهارٍ جديد؛ فكلّ مرحلةٍ تحمل في داخلها بذرة انعكاسها.الذي يجعل التطرّف مؤقّتًا دائمًا.
التطرّف يصحّح نفسه
النتيجة المهمّة أنّ الأشياء لا تبلغ حدًّا ثمّ تستقرّ عنده، بل تتأرجح بين طرفين متقابلين. نادرًا ما يقف السوق عند «العدل»؛ فهو إمّا يبالغ في الصعود حتّى الغلاء الفاحش، أو يبالغ في الهبوط حتّى الرخص المهين، ثمّ يعود مندفعًا نحو الطرف المقابل. وكلّما بلغ التطرّف مداه، اقترب انعكاسه؛ فالغلاء الشديد يستنفد المشترين، والرخص الشديد يستنفد البائعين. المستثمر الحكيم يقرأ هذا فيزداد حذرًا كلّما اشتدّ التفاؤل، ويزداد جرأةً كلّما اشتدّ التشاؤم.
خطأ «هذه المرّة مختلفة»
أخطر ما يفعله المستثمر، بحسب ماركس، هو أن ينسى الدورة. حين يطول الصعود يبدأ الناس بترديد أنّ القواعد القديمة لم تعد تنطبق، وأنّ هذا الصعود سيدوم لأسبابٍ جديدة. هذه العبارة، «هذه المرّة مختلفة»، هي من أغلى الكلمات ثمنًا في تاريخ الأسواق، لأنّها تبرّر شراء الغلاء في القمّة. وبالمثل، في قاع الكساد يقتنع الناس بأنّ التعافي مستحيل وأنّ الهبوط سيدوم، فيبيعون في الحضيض. نسيان دائريّة السوق يجعل الجموع تشتري في القمّة وتبيع في القاع، وهو عكس ما ينبغي تمامًا.
أين نقف لا إلى أين نذهب
يوضّح ماركس فرقًا دقيقًا: هو لا يدّعي القدرة على التنبّؤ بموعد انعكاس الدورة، فهذا مستحيل. لكنّه يدعو إلى معرفة أين نقف الآن فيها: هل نحن أقرب إلى قمّة التفاؤل أم إلى قاع اليأس؟ قراءة الموقع الحاليّ ممكنةٌ من منسوب الحماس والأسعار وسلوك الناس، وهي أنفع من محاولة تحديد التوقيت. هذا الوعي بموقعنا في الدورة هو امتدادٌ لفهم مزاج السوق الذي نعمّقه في علم نفس التداول، ويقودنا مباشرةً إلى صورةٍ أوضح للبندول النفسيّ في الفصل التالي.
عرفنا أنّ السوق يتحرّك في دورات يصحّح فيها تطرّفه. في الفصل التالي نقترب أكثر من المحرّك النفسيّ لهذه الدورات: البندول الذي يتأرجح بمزاج المستثمرين بين الجشع والخوف، والتفاؤل والتشاؤم.