وصلنا إلى العمود الفقريّ النظريّ للكتاب. إن كانت محاولات التنبّؤ الفنّيّ والأساسيّ محدودةً إلى هذا الحدّ، فربّما لأنّ السوق نفسه يعالج المعلومات بكفاءةٍ تفوق أيّ فردٍ يواجهه. هذه هي فكرة فرضيّة السوق الكفء، ويعرضها مالكيل في ثلاث درجاتٍ متصاعدة لتفهم بدقّةٍ ماذا تدّعي وماذا لا تدّعي.
ما الذي تقوله الفرضيّة؟
تقول فرضيّة السوق الكفءفرضيّةٌ ترى أنّ أسعار الأصول تعكس بسرعةٍ المعلومات المتاحة، فيصعب تحقيق تفوّقٍ ثابت على السوق بمجرّد تحليل معلوماتٍ يعرفها الجميع؛ لأنّ التنافس يجعلها مسعّرةً على الفور. إنّ السعر في كلّ لحظةٍ يمثّل أفضل تقديرٍ جماعيّ متاح، لأنّ جيشًا من المشاركين يتنافسون على كلّ معلومةٍ ويترجمونها إلى تداولٍ فوريّ. النتيجة أنّ أيّ ميزةٍ سهلة تُستهلك بسرعةٍ فور ظهورها. لاحظ أنّ الفرضيّة لا تقول إنّ السعر «صحيحٌ» دائمًا، فقد يكون مرتفعًا أو منخفضًا عن القيمة الحقيقيّة، بل تقول إنّه يصعب معرفة اتّجاه الخطأ مسبقًا بما يكفي لاستغلاله باستمرار.
الأشكال الثلاثة
يميّز مالكيل ثلاث درجات. الشكل الضعيف يقول إنّ الأسعار تعكس كلّ معلومات الأسعار الماضية، فلا يمنح تحليل الرسوم البيانيّة ميزة، وهذا ما يقوّض التحليل الفنّيّ. والشكل شبه القويّ يرفع السقف: الأسعار تعكس كلّ المعلومات العلنيّة، من الأخبار والقوائم الماليّة وإعلانات الأرباح، فور صدورها، فلا يكفي التحليل الأساسيّ للمعلومات العامّة لتحقيق تفوّقٍ ثابت. أمّا الشكل القويّ, وهو الأكثر إثارةً للجدل، فيزعم أنّ الأسعار تعكس حتّى المعلومات الداخليّة غير المنشورة. مالكيل نفسه لا يتبنّى الشكل القويّ بحرفيّته، لكنّه يجد الشكلين الأوّلين مدعومين بأدلّةٍ قويّة.
ما الذي لا تعنيه الفرضيّة
من الضروريّ إزالة سوء فهمٍ شائع. الكفاءة لا تعني أنّ السوق حكيمٌ أو عادلٌ أو محصّنٌ من الفقاعات؛ فقد رأينا في فصل الحشود كيف يجنّ أحيانًا. ولا تعني أنّ لا أحد يربح أبدًا؛ فبعضهم يربح بالحظّ وبعضهم بالمخاطرة الأكبر. ما تعنيه بدقّة أنّ التفوّق المنتظم والمستمرّ عبر معلوماتٍ متاحةٍ للجميع صعبٌ للغاية، لأنّ المنافسة تبتلع الميزة السهلة. إنّها عبارةٌ عن صعوبةٍ لا عن استحالة، وعن الاستمرار لا عن الصدفة العابرة.
الخلاصة العمليّة
لا يطلب مالكيل من القارئ أن يؤمن بأنّ الأسواق كفؤةٌ تمامًا؛ يكفي أن يقتنع بأنّها كفؤةٌ بما يكفي ليجعل مطاردة التفوّق المستمرّ لعبةً خاسرةً لأغلب الناس بعد خصم التكاليف. ومن هذا الاقتناع تنبثق الوصفة التي سيبنيها في بقيّة الكتاب: إن كان يصعب أن تغلب السوق باستمرار، فربّما الأحكم أن تنضمّ إليه بتكلفةٍ منخفضة بدل أن تحاربه. هذه القفزة من النظريّة إلى الممارسة هي ما يجعل الكتاب عمليًّا لا أكاديميًّا فحسب.
إن كان التفوّق بهذه الصعوبة، فمن أين يأتي العائد أصلًا؟ الجواب مرتبطٌ بكلمةٍ واحدة: المخاطرة. في الفصل التالي نفكّك العلاقة الجوهريّة بين المخاطرة والعائد، ونميّز بين نوعين من المخاطر يخلط بينهما كثيرون.