يبدأ بيرتون مالكيل رحلته بصورةٍ بسيطة لكنّها مثيرة للجدل: تخيّل رجلًا يمشي في حقلٍ فارغ، وعند كلّ خطوةٍ يرمي عملةً ليقرّر إن كان سيتّجه يمينًا أم يسارًا. إذا رسمت مساره بعد ساعة، فسيبدو خطًّا متعرّجًا لا قاعدة له. يرى مالكيل أنّ حركة أسعار الأسهم على المدى القصير تشبه هذا المسار إلى حدٍّ بعيد: خطوةٌ بعد خطوةٍ يصعب التنبّؤ بها من الخطوات السابقة. هذه هي فكرة المشي العشوائيّ التي يبني عليها الكتاب كلّه.
ماذا يعني «عشوائيّ» بالضبط؟
من السهل أن يُساء فهم الكلمة. حين يقول مالكيل إنّ السعر يمشي عشوائيًّا فهو لا يعني أنّ الأسعار تتحرّك بلا سببٍ اقتصاديّ، ولا أنّ الأسهم مجرّد يانصيب. المقصود بمصطلح المشي العشوائيّفرضيّةٌ ترى أنّ التغيّرات المتتالية في سعر الأصل مستقلّةٌ عن بعضها إحصائيًّا، فلا يمكن استنتاج الحركة القادمة من الحركات السابقة بموثوقيّة. لا تعني غياب الأسباب، بل تعني أنّ محرّك السعر الجديد غير متوقّع. شيءٌ أدقّ: أنّ التغيّر القادم في السعر مستقلٌّ عمليًّا عن التغيّرات الماضية، فلا يحمل الأمس بذرةً تكشف لك يقينًا ما سيفعله الغد. السبب موجودٌ دائمًا، لكنّه غالبًا معلومةٌ جديدة لم تكن معروفةً وقت الخطوة السابقة.
لماذا الأخبار الجديدة هي المفتاح
جوهر الحجّة أنّ ما يحرّك السعر هو المعلومة الجديدة، والمعلومة الجديدة تكون جديدةً بمعنى أنّ أحدًا لم يعرفها مسبقًا. لو كان بالإمكان توقّع الخبر لكان قد انعكس في السعر قبل وصوله. ولأنّ الأخبار المفاجئة، من نتائج شركةٍ إلى قرارٍ للبنك المركزيّ إلى حدثٍ جيوسياسيّ، تصل في أوقاتٍ واتّجاهاتٍ لا يعرفها أحد، فإنّ ردّة فعل السعر عليها تبدو، لمن يحدّق في الرسم البيانيّ وحده، كأنّها قفزاتٌ لا نمط لها. من هنا تنبع صعوبة التنبّؤ قصير المدى.
ماذا يعني هذا للمستثمر؟
الدرس الأوّل ليس دعوةً إلى اليأس بل إلى التواضع. إذا كانت الخطوة التالية بهذا القدر من الصعوبة، فإنّ محاولة اقتناص كلّ حركةٍ قصيرة عبر التوقيت الدقيق مهمّةٌ أشقّ ممّا يظنّ المبتدئ. هذا لا يلغي قيمة الفهم؛ فالفرق بين المضاربة اللحظيّة والاستثمار المبنيّ على تحليلٍ هو ما نميّزه في التحليل الفنّيّ مقابل الأساسيّ. مالكيل لا يقول إنّ التحليل بلا قيمة، بل يمهّد لسؤالٍ أكبر: أيّ نوعٍ من التحليل يستحقّ جهدك فعلًا؟
عشوائيّة المدى القصير لا تعني عشوائيّة كلّ شيء
من المهمّ التمييز الذي سيلازمنا طوال الكتاب: العشوائيّة يتحدّث عنها مالكيل في سياق التغيّرات قصيرة المدى. أمّا على المدى الطويل، فترى الأسواق تعكس نموّ الاقتصادات وأرباح الشركات، وهذا اتّجاهٌ عامٌّ له معنى. الخلط بين المستويين مصدر أخطاءٍ كثيرة: من يحاول أن يقرأ في تعرّجات الساعة نبوءةً بالغد يطارد سرابًا، ومن يفهم أنّ الصبر طويل الأمد مختلفٌ تمامًا عن التخمين اليوميّ يبني على أساسٍ أصلب.
عرفنا لماذا يصعب التنبّؤ بالخطوة التالية؛ لكن لماذا يشتري الناس الأسهم أصلًا، وما الذي يحدّد القيمة في نظرهم؟ في الفصل التالي ندخل إلى نظريّتي الاستثمار الكبريين اللتين تتنازعان تفسير سلوك السوق: نظريّة الأساس المتين، ونظريّة القلعة الهوائيّة.