العمل الذي نال به كانمان أعظم تقديره، بالشراكة مع عاموس تفرسكي، كان بحثًا في كيفيّة اختيارنا بين رهاناتٍ محفوفةٍ بالمخاطر. كانت النظريّة الاقتصاديّة السائدة تفترض إنسانًا عقلانيًّا يزن المنفعة المتوقّعة لثروته النهائيّة بهدوء. لكنّ التجارب أظهرت أنّ سلوكنا الحقيقيّ يخالف هذا النموذج بانتظام، لا عشوائيًّا. من هذه المخالفات المنتظمة وُلدت نظريّة التوقّع التي أرست حجر الأساس للتمويل السلوكيّ.
نقيّم التغيّر لا المستوى
أوّل ركائز النظريّة أنّنا لا نفكّر في مستويات الثروة بل في التغيّرات. ما يحرّك مشاعرنا ليس أن نملك مبلغًا معيّنًا، بل أن نكون ربحنا أو خسرنا قياسًا إلى نقطةٍ مرجعيّةالحالة التي نقيس منها المكاسب والخسائر؛ غالبًا هي وضعنا الراهن أو ما توقّعناه أو سعر شرائنا. تغيّرها يغيّر إحساسنا بالنتيجة نفسها رغم بقاء المبلغ ثابتًا.. المبلغ نفسه قد يكون «ربحًا» يفرحنا أو «خسارةً» تؤلمنا تبعًا للنقطة التي نقيس منها. هذا يفسّر لماذا يشعر مستثمرٌ بالبؤس رغم ثروةٍ كبيرة لأنّها أقلّ من ذروةٍ سابقة، بينما يشعر آخر بالسعادة بالمبلغ نفسه لأنّه أعلى من نقطة انطلاقه. النقطة المرجعيّة، لا الرقم المطلق، هي التي تصنع الشعور.
دالّة القيمة: منحنى غير متماثل
الركيزة الثانية هي دالّة القيمةالعلاقة بين حجم المكسب أو الخسارة وقيمته النفسيّة؛ منحنى مقعّرٌ في جهة المكاسب ومحدّبٌ في جهة الخسائر، وأشدّ انحدارًا في جهة الخسارة، فتؤلم الخسارة أكثر ممّا يُسعد المكسب المماثل.. لها ثلاث خصائص تغيّر كلّ شيء. أوّلًا هي متناقصة الحساسيّة: الفرق بين ربح مئةٍ وربح مئتين يشعرنا بأكثر ممّا يشعرنا الفرق بين ألفٍ وألفٍ ومئة، رغم تساوي المبلغ المضاف. ثانيًا هي غير متماثلة: ألم خسارة مبلغٍ أشدّ من فرحة ربح المبلغ نفسه. ثالثًا كلّ شيءٍ يُقاس من النقطة المرجعيّة لا من الصفر المطلق. هذه الخصائص مجتمعةً تجعلنا نتجنّب المخاطرة حين نكون في منطقة الربح، ونندفع إليها حين نكون في منطقة الخسارة أملًا في الإفلات — وهو سلوكٌ نراه كلّ يومٍ في الأسواق.
ترجيح الاحتمالات
الركيزة الثالثة أنّنا لا نتعامل مع الاحتمالات كما هي، بل نرجّحها بطريقةٍ غير خطّيّة. يسمّي كانمان هذا ترجيح الاحتمالاتالوزن النفسيّ الذي نمنحه للاحتمال بدل قيمته الرقميّة؛ نبالغ في وزن الاحتمالات الصغيرة جدًّا ونقلّل من وزن الاحتمالات شبه المؤكّدة، فتنحرف قراراتنا عن المنطق الاحتماليّ.. نبالغ في وزن الاحتمالات الضئيلة، فنشتري تأمينًا باهظًا ضدّ كارثةٍ نادرة، ونشتري تذكرة يانصيبٍ حالمين بجائزةٍ بعيدة المنال. وفي المقابل نقلّل من وزن ما هو شبه مؤكّد، فيبدو الانتقال من احتمال خمسٍ وتسعين بالمئة إلى اليقين أثمن بكثيرٍ ممّا يستحقّ. هذا التشويه المنهجيّ في التعامل مع الأرقام يجعل خياراتنا تحت المخاطرة تنحرف عن العقلانيّة بطرقٍ يمكن التنبّؤ بها.
الدرس للمستثمر
نظريّة التوقّع تكشف أنّ إحساسنا بالربح والخسارة يعتمد على نقطةٍ مرجعيّةٍ قابلةٍ للتلاعب، وأنّ الألم والفرح غير متماثلين، وأنّ الأرقام الصغيرة والكبيرة تُوزن بغير عدل. أن تعي هذه الآليّات يعني أن تنتبه إلى النقطة التي تقيس منها قرارك: هل تقارن بسعر شرائك أم بقيمة الأصل اليوم؟ وأن تتذكّر أنّ نفورك من المخاطرة أو اندفاعك إليها قد يكون أثرًا لموقعك من نقطتك المرجعيّة لا حكمًا على الأصل نفسه. هذا الوعي هو مدخلنا إلى الفصل التالي.
الخاصيّة الأعمق في دالّة القيمة كانت عدم التماثل بين الألم والفرح. هذه الخاصيّة وحدها تفتح بابًا على أحد أقوى محرّكات سلوك المستثمر. في الفصل التالي نفرد لها المساحة التي تستحقّها: النفور من الخسارة وأثر الامتلاك.