يفاجئ غرينبلات قارئه في هذا الفصل بصراحةٍ نادرة في كتب الاستثمار: الطريقة التي يشرحها لا تنجح كلّ عام. بل قد تمرّ بسنةٍ وسنتين، وأحيانًا أكثر، تتأخّر فيها عن السوق تأخّرًا واضحًا. والأغرب أنّه لا يعتذر عن ذلك، بل يعدّه السبب الذي يُبقي الفكرة صالحة. فكيف يكون الإخفاق المؤقّت شرطًا للنجاح الطويل؟
لو نجحت دائمًا لاختفت
تخيّل طريقةً تتفوّق على السوق كلّ عامٍ بلا استثناء. سرعان ما سيعرفها الجميع ويتبنّاها الجميع، فترتفع أسعار الأسهم التي تختارها حتّى لا تعود رخيصة، وتختفي ميزتها. ما يحمي الفكرة من هذا المصير هو أنّها تختبر أعصاب من يتّبعها. فترات الأداء الضعيفمرحلةٌ تحقّق فيها طريقةٌ استثماريّة عائدًا أقلّ من متوسّط السوق، وقد تمتدّ سنةً أو أكثر حتّى لو كانت الطريقة سليمة على المدى الطويل. تطرد غير الصبورين، فتبقى الفرصة متاحةً لمن يحتملها.
لماذا يتخلّى الناس عنها
أكثر المستثمرين يحكمون على أيّ طريقةٍ بآخر عامٍ أو عامين. فإن تأخّرت، بدا لهم أنّها «لم تعد تعمل»، فهجروها وانتقلوا إلى ما تفوّق مؤخّرًا. هذا السلوك مدفوعٌ بانحيازاتٍ نفسيّة معروفة، كالميل إلى إعطاء الماضي القريب وزنًا مبالغًا فيه، وهي انحيازاتٌ نشرحها في درس الانحيازات المعرفيّة. والنتيجة المؤلمة أنّ المستثمر يخسر مرّتين: مرّةً حين يحتمل فترة الضعف، ومرّةً حين يخرج قبل التعافي مباشرةً.
الأرقام الطويلة والتجربة الحيّة
قد تبدو الطريقة على مدى عشرين عامًا مقنعةً على الورق، لكنّ هذه الأرقام الطويلة تخفي في داخلها سنواتٍ قاسية عاشها أصحابها لحظةً بلحظة. قراءة جدولٍ يقول إنّ الطريقة تأخّرت ثلاث سنوات شيء، ومعايشة هذه السنوات الثلاث بمالك الحقيقيّ شيءٌ آخر تمامًا. لذلك يطلب غرينبلات من القارئ أن يسأل نفسه بصدق قبل أن يبدأ: هل أستطيع أن أحتمل فترةً من التأخّر عن السوقأن يحقّق المستثمر عائدًا أقلّ من متوسّط السوق أو من البدائل المتاحة خلال فترةٍ معيّنة؛ ليس خسارةً بالضرورة، لكنّه يولّد شعورًا قويًّا بالخطأ يدفع كثيرين إلى تغيير طريقتهم. دون أن أتخلّى عن طريقتي؟
عرفنا في هذا الفصل لماذا لا تنجح الفكرة كلّ عام ولماذا يهجرها الناس. في الفصل التالي نتوقّف عند ما يراه غرينبلات أصعب جزءٍ في المنهج كلّه: الصبر والانضباط، أي الالتزام بالفكرة لا فهمها. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاستثماريّ لا توصياتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.