قد يعترض القارئ: إن كانت الفكرة بهذه البساطة، فلماذا لا يكتشفها الجميع فتختفي الفرصة؟ وكيف يمكن لسوقٍ يضمّ ملايين المتعاملين أن يخطئ في التسعير أصلًا؟ يجيب غرينبلات بملاحظةٍ يستطيع أيّ شخصٍ أن يتحقّق منها: انظر إلى سعر سهم أيّ شركةٍ كبيرة خلال عامٍ واحد، وستجده كثيرًا ما يتراوح بين حدٍّ أدنى وحدٍّ أعلى يبلغ أضعافه أحيانًا. فهل تتضاعف قيمة الشركة نفسها وتنكمش بهذا القدر في بضعة أشهر؟
السعر يتقلّب والقيمة تتغيّر ببطء
الجواب في الغالب لا. قيمة العمل، أي ما سيكسبه على مدى سنواتٍ طويلة، تتغيّر ببطء. أمّا السعر فيتأثّر بالخوف والحماس والأخبار العابرة. هذا الفارق بين السعر والقيمة الحقيقيّةتقديرٌ لما تساويه الشركة فعلًا استنادًا إلى ما يُتوقّع أن تكسبه على مدى سنواتٍ طويلة، بمعزلٍ عن مزاج السوق اليوميّ؛ يختلف عن السعر الذي قد يبتعد عنها ارتفاعًا أو انخفاضًا لفتراتٍ طويلة. هو ما يصنع الفرصة. فحين يتشاءم الناس بإفراطٍ تجاه شركةٍ جيّدة، يهبط سعرها دون قيمتها، وحين يتحمّسون بإفراط يرتفع فوقها. ويفصّل درس دورة السوق كيف تتعاقب موجات الحماس والتشاؤم هذه.
لماذا يصحّح الزمن الخطأ
السوق قد يتجاهل شركةً جيّدة رخيصة عامًا أو عامين، لكنّ أرباحها لا تختفي. إنّها تتراكم، وتُعلن، وتُعاد إلى المساهمين أو تُستثمر من جديد. ومع مرور الوقت يصعب على السوق أن يواصل تجاهل أرباحٍ حقيقيّة تتكرّر عامًا بعد عام. لهذا يردّد غرينبلات فكرةً ورثها عن أستاذه غراهام: السوق على المدى القصير يشبه آلة اقتراعٍ تعكس شعبيّة الأسهم، وعلى المدى الطويل يشبه ميزانًا يزنتشبيهٌ يُنسب إلى بنجامين غراهام: السوق قصيرًا يعكس آراء الناس ومشاعرهم كصناديق الاقتراع، وطويلًا يزن الأرباح الفعليّة للشركات فيقترب السعر من قيمتها. أرباحها الفعليّة.
متى؟ لا أحد يعرف
يصارحنا غرينبلات بأنّ أحدًا لا يعرف متى يحدث التصحيح، ولا يضمن أحدٌ حدوثه في كلّ شركةٍ بعينها. قد يستغرق الأمر أشهرًا وقد يستغرق سنوات، وبعض التقديرات ستتبيّن خاطئة. لذلك لا يقوم المنهج على توقيت السوق، وهو وهمٌ نناقشه في درس أسطورة توقيت السوق، بل على امتلاك مجموعةٍ من الأعمال الجيّدة الرخيصة وانتظار أن يعمل الزمن لصالحها.
عرفنا في هذا الفصل لماذا يُتوقّع للفكرة أن تعمل على المدى الطويل. في الفصل التالي نواجه وجهها الآخر: لماذا لا تنجح كلّ عام، ولماذا يتخلّى عنها أكثر الناس في أسوأ توقيت. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاستثماريّ لا توصياتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.