إذا كان تخصيص رأس المال أهمّ مهامّ الإدارة، فإنّ صفقات الاستحواذ هي أوضح امتحانٍ لهذه المهارة. فيها تُنفق مبالغ ضخمة دفعةً واحدة، وفيها تتجلّى نقاط ضعف المديرين: الحماس، وحبّ الحجم، والثقة المفرطة. يخصّص بافيت لهذا الموضوع جزءًا معتبرًا من رسائله، ويقدّم فيه مزيجًا من النقد الصريح والقواعد العمليّة التي يمكن لأيّ مساهمٍ أن يفهمها.
حين يقع المدير في حبّ الصفقة
يلاحظ الكتاب أنّ كثيرًا من الإدارات تدخل الصفقة وقد قرّرت مسبقًا أن تتمّها، فتصبح الدراسة تبريرًا لا تقييمًا. وتُدفع للشركة المستهدفة علاوة استحواذالفرق بين الثمن الذي تدفعه الشركة المشترية في صفقة استحواذ وبين سعر السوق السابق للشركة المستهدفة؛ يُبرَّر عادةً بمكاسب متوقّعة من الدمج، وقد يتجاوز ما تحقّقه الصفقة فعلًا. كبيرة على أمل أنّ الإدارة الجديدة ستحسّن أداءها بما يكفي لتعويضها. ويرى بافيت أنّ هذا الأمل كثيرًا ما يكون أكبر من الواقع، وأنّ قلّةً من الصفقات تحقّق ما وُعد به المساهمون يوم إعلانها. وفي هذا صورةٌ واضحة من صور الثقة المفرطة التي نشرحها في درس الانحيازات المعرفيّة التي تدمّر قرارات المتداول، فالمديرون بشرٌ تصيبهم التحيّزات نفسها التي تصيب المستثمرين.
الدفع بالأسهم ليس مجّانيًّا
من الأوهام الشائعة أنّ الشركة إن دفعت ثمن الصفقة بأسهمها لا نقدها فهي لم تخسر شيئًا ملموسًا. يردّ بافيت بأنّ إصدار أسهمٍ جديدة يعني بيع جزءٍ من الشركة كلّها للبائعين، فيحدث تخفيف الملكيّةانخفاض نسبة ما يملكه كلّ مساهمٍ قائم في الشركة نتيجة إصدار أسهمٍ جديدة لغيره؛ فإن لم تقابله زيادةٌ كافية في القيمة نقص نصيب المساهم من أرباح العمل وقيمته. للمساهمين القائمين. مثالٌ بأرقامٍ تقريبيّة: شركةٌ يملكها مساهموها بالكامل وتقدّر قيمتها بألف، أصدرت أسهمًا تمثّل ربعها الجديد لتشتري شركةً تساوي مئتين. بعد الصفقة يملك المساهمون القدامى ثلاثة أرباع شركةٍ تساوي ألفًا ومئتين، أي تسعمئة، وهو أقلّ ممّا كانوا يملكونه قبلها. لقد دفعوا ثلاثمئة من قيمتهم ليحصلوا على ما يساوي مئتين.
حين تكون أسهمك رخيصة تكون الصفقة أغلى
تزداد المشكلة حدّةً حين تكون أسهم الشركة المشترية مسعّرةً في السوق بأقلّ من قيمتها الجوهريّة. فهي حينئذٍ تدفع بعملةٍ مبخوسة، وتعطي من قيمتها الحقيقيّة أكثر ممّا يوحي به السعر. لهذا يقترح بافيت أن يسأل المساهمون عن الصفقة سؤالًا بسيطًا: لو عُرض علينا أن نبيع هذا الجزء من شركتنا كلّها بهذا الثمن، هل كنّا سنقبل؟ فإن كان الجواب لا، فلا معنى لأن نقبله لمجرّد أنّه جاء في صورة صفقة استحواذٍ لامعة.
ما الذي يجعل الاستحواذ معقولًا؟
لا يرفض الكتاب الاستحواذ مطلقًا، بل يضع له شروطًا تشبه شروط أيّ استثمارٍ سليم: عملٌ يفهمه المشتري، وله ميزةٌ تنافسيّة دائمة، وإدارةٌ نزيهة قادرة، وثمنٌ معقول قياسًا إلى ما سيعيده على المدى الطويل. ويفضّل بافيت أن تكون الصفقات قليلةً ومدروسة على أن تكون كثيرةً ومتسرّعة، وأن يُحكم عليها بعد سنواتٍ بما أضافته من قيمةٍ للمالكين، لا يوم إعلانها بما أضافته من حجمٍ للشركة.
عرفنا في هذا الفصل لماذا تخيّب كثيرٌ من الصفقات آمال المساهمين. في الفصل الأخير نجمع الخيوط كلّها حول فكرةٍ تربطها: الاحتفاظ الطويل، وأثر الضرائب والتكاليف، وقوّة التراكم الهادئ عبر السنين. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاستثماريّ لا توصياتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.