بعد أن وُضع أساس الاحتمال النظريّ، بقي سؤالٌ عمليّ ملحّ: إذا قلنا إنّ فرصة نتيجةٍ ما هي كذا، فهل نراها فعلًا حين نراقب العالم؟ أجاب جاكوب برنولّي بما صار يُعرف بقانون الأعداد الكبيرة، وهو جسرٌ بين النظريّة والملاحظة. يقول القانون إنّ نسبة ما نرصده من نتائج تقترب أكثر فأكثر من الاحتمال الحقيقيّ كلّما زاد عدد المحاولات، حتّى تكاد تنطبق عليه في المدى الطويل.
ماذا يعني القانون وماذا لا يعني
هذا هو قانون الأعداد الكبيرةمبدأ إحصائيّ ينصّ على أنّ متوسّط النتائج الملاحَظة يقترب من الاحتمال الحقيقيّ كلّما كثر عدد المحاولات؛ يصف المدى الطويل لا المحاولة الواحدة، ولا يعني أنّ نتيجةً متأخّرة صارت أوجب وقوعًا.. لكنّ الحذر واجب: القانون يصف المدى الطويل، لا الرمية القادمة. من يظنّ أنّ عملةً ظهر وجهها مرّاتٍ متتالية «مدينةٌ» بظهور الوجه الآخر يقع في وهمٍ شائع؛ فالعملة لا تتذكّر ما مضى، وكلّ رميةٍ مستقلّة عمّا سبقها. القانون لا يصحّح النتائج الفرديّة، بل تذوب الانحرافات القصيرة في بحرٍ من المحاولات الكثيرة.
خدعة العيّنة الصغيرة
من هنا يبرز درسٌ عميق في الاستدلال: القانون لا يعمل إلّا مع كثرة المشاهدات. حين نحكم على الكلّ من عيّنةٍمجموعةٌ جزئيّة من المشاهدات نستدلّ بها على الكلّ؛ كلّما صغرت أو انحازت زاد خطر أن تعطي صورةً مضلّلة، وكلّما كبرت وتوازنت اقترب ما تريه من الحقيقة. صغيرة أو منحازة نقع في الخطأ، إذ نرى في بضع نتائج نمطًا لا وجود له. كم من قرارٍ بُني على تجربةٍ محدودة ظُنّت قاعدةً وهي محض صدفة! الصبر على جمع مشاهداتٍ كافية، والحذر من التعميم المتسرّع، شرطان للاستدلال السليم. العيّنة الصغيرة تخدع بسهولة، والعقل ميّالٌ إلى رؤية الأنماط حتّى حيث لا نمط.
الدرس للمتعلّم اليوم
في المال والحياة نميل إلى الحكم من القليل: نتيجةٌ رابحة أو خاسرة فنبني عليها قناعةً راسخة. يذكّرنا برنولّي أنّ سلسلةً قصيرة لا تكفي للحكم على منهجٍ أو قرار، وأنّ ما يبدو مهارةً قد يكون حظًّا لم يُختبر بعد بما يكفي من التكرار. هذا التواضع أمام قلّة البيانات هو ما تغرسه دروس الوعي الماليّ حين تحذّر من التعميم من تجربةٍ عابرة.
عرفنا كيف تقترب الملاحظة من الاحتمال مع كثرة المحاولات. لكن كيف تتوزّع النتائج حول متوسّطها، ولماذا تميل الأمور إلى العودة إلى وسطها بعد التطرّف؟ في الفصل التالي ندخل إلى المنحنى الطبيعيّ والانحراف والعودة إلى المتوسّط كما بلورها غالتون. وتذكّر أنّ ما هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الإحصاء لا توصياتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار.