نعيش محاطين بالتوقّعات: توقّعاتٌ لأسعار النفط بعد عام، ولنموّ الاقتصاد في الربع القادم، ولمستوى مؤشّرٍ في نهاية السنة. تُقال هذه الأرقام بثقةٍ وتفصيل، فنميل إلى تصديقها ظنًّا أنّ من يقولها يملك معرفةً لا نملكها. لكنّ طالب يقلب الطاولة، ويعرض حجّةً محكمة على أنّ التنبّؤ بالمستقبل، خصوصًا في الأمور الكبرى، أضعف بكثيرٍ ممّا نظنّ، وأنّ ثقة الخبير ليست دليلًا على دقّته.
الثقة تسبق الدقّة
من أطرف ما يرصده الفصل ظاهرة الثقة المفرطةحالةٌ يبالغ فيها الشخص في تقدير دقّة معرفته وصحّة توقّعاته؛ فتتّسع الفجوة بين شعوره باليقين وبين نسبة إصابته الفعليّة، وتزداد هذه الفجوة مع تراكم المعلومات لديه.. فحين يُعطى الخبراء مزيدًا من البيانات، ترتفع ثقتهم بتوقّعاتهم بوضوح، بينما تظلّ دقّتهم الفعليّة شبه ثابتة. أي أنّ المعلومات الإضافيّة تغذّي اليقين لا الإصابة. والأخطر أنّ من يظهر أكثر ثقةً هو من نميل إلى تصديقه، فنكافئ الثقة لا الصواب، ونصغي لأعلى الأصوات نبرةً لا لأدقّها حسابًا.
لماذا يعجز النموذج أمام النادر
العلّة ليست في ذكاء الخبراء بل في طبيعة ما يتنبّؤون به. نماذج التوقّع تُبنى على استقراء ما حدث في الماضي، وهي بذلك بارعةٌ في تمديد المألوف. لكنّ البجعة السوداء، بحكم تعريفها، لا تشبه ما سبق، فلا تجد لها أثرًا في النموذج. النتيجة أنّ التوقّعات تكون معقولةً في الأيّام العاديّة الهادئة، وتنهار تمامًا في اللحظات الكبرى التي تصنع فيها الأسواق مصائرها. وهكذا يبرع التنبّؤ في ما لا يهمّ كثيرًا، ويخفق في ما يقرّر كلّ شيء.
سلاسل الخطأ المتراكم
كلّما امتدّ أفق التوقّع ازداد هشاشة. فالتنبّؤ ببعيدٍ يعتمد على سلسلةٍ من الافتراضات، يكفي أن يخطئ أحدها ليختلّ الباقي كلّه، ثمّ يتضخّم الخطأ الصغير مع الزمن حتّى يصير هوّة. لهذا تجد توقّعات السنوات القادمة أقرب إلى الخيال منها إلى العلم، رغم ما يحيط بها من أرقامٍ دقيقة توحي بالجدّيّة. الدقّة في العرض ليست دقّةً في المضمون، بل قد تكون قناعًا يخفي جهلنا العميق بالمستقبل.
كيف يتعامل المستثمر مع التوقّعات
لا يدعونا طالب إلى ازدراء كلّ خبير، بل إلى قراءة التوقّعات بعينٍ نقديّة. اسأل دائمًا: ما هامش الخطأ؟ وماذا يحدث لو جاء العكس تمامًا؟ وابنِ قرارك بحيث تنجو مهما كان اتّجاه المفاجأة، لا بحيث يتوقّف مصيرك على صحّة توقّعٍ واحد. حين تكفّ عن السؤال «ماذا سيحدث؟» وتبدأ بالسؤال «كيف أحمي نفسي إن أخطأ الجميع؟»، تكون قد نقلت مركز الثقل من التنبّؤ إلى إدارة المخاطر، وهو تحوّلٌ يقيك أعنف صدمات السوق.
بعد أن رأينا هشاشة التنبّؤ، يبقى سؤالٌ جوهريّ: كيف تصنع أحداثٌ قليلة نادرة هذا القدر الهائل من النتائج؟ في الفصل التالي نتناول الأثر اللاخطّيّ وكيف تتركّز معظم المكاسب والخسائر في حفنةٍ صغيرة من الوقائع.