بعد أن عرفنا أنّنا نعيش في عالمٍ تصنعه الأحداث المتطرّفة، يأتي سؤالٌ محيّر: لماذا نعجز عن رؤية هذا الخطر رغم وضوحه بعد وقوعه؟ يجيب طالب بأنّ في تكويننا الذهنيّ آليّاتٍ تعمل ضدّنا بهدوء، تجعلنا نجمع الأدلّة التي تريحنا ونتجاهل الفراغات التي ينبغي أن تقلقنا. اثنتان من أخطر هذه الآليّات هما انحياز التأكيد والدليل الصامت.
البحث عمّا يريحنا
يقصد طالب بـ انحياز التأكيدميل العقل إلى ملاحظة الشواهد التي تؤكّد اعتقاده المسبق وتذكّرها، مقابل تجاهل الشواهد التي تناقضه أو التقليل من شأنها؛ فتتراكم لدينا أدلّةٌ منتقاة تبدو مقنعة بينما هي منحازة أصلًا. نزوعنا الطبيعيّ إلى تصيّد ما يوافق فكرتنا. فمن اقتنع بأنّ أصلًا ما سيصعد، يبدأ لا شعوريًّا في التقاط كلّ خبرٍ إيجابيّ عنه، ويمرّ مرور الكرام على الإشارات المقلقة. المشكلة أنّ تراكم الأدلّة المؤيّدة يمنحنا ثقةً متزايدة بينما نحن في الحقيقة ندور في دائرةٍ مغلقة: نبحث لنجد ما قرّرنا مسبقًا أن نجده. البرهان الحقيقيّ لا يأتي ممّا يؤكّد رأينا، بل من صمود الرأي أمام محاولةٍ جادّة لتكذيبه.
القبور التي لا تتكلّم
أمّا الفخّ الثاني، وهو الدليل الصامتالحالات التي فشلت أو اختفت فلم يعد لها صوتٌ يروي قصّتها، مقابل الناجين الظاهرين؛ حين نستخلص دروس النجاح من الباقين وحدهم نتجاهل من سلك الطريق نفسه وهلك، فنبالغ في تقدير فرص النجاح.، فأخبث لأنّه يعمل بالغياب لا بالحضور. نحن نرى دائمًا من نجح لأنّه باقٍ أمامنا يتحدّث، بينما يختفي من فشل في صمت. نقرأ قصص الأثرياء الذين خاطروا فربحوا، فنستنتج أنّ المخاطرة طريقٌ للثراء، متناسين الجموع التي خاطرت المخاطرة نفسها فخسرت كلّ شيء ولم يبقَ منها من يكتب سيرته. هذا التحيّز يجعل استراتيجيّاتٍ محفوفةً بالمخاطر تبدو حكيمة، لمجرّد أنّنا لا نسمع إلّا أصوات من نجوا.
كيف يخدعنا هذا في الأسواق
تجتمع الآليّتان لترسما صورةً مشوّهة عن المخاطرة. صناديق الاستثمار التي بقيت هي التي نراها في الإعلانات، أمّا التي انهارت فطُويت وأُغلقت بلا ضجيج، فيبدو المتوسّط الظاهر أفضل من الحقيقة. والمستثمر الذي يقنع نفسه بفكرةٍ يبدأ في رؤية تأكيدها في كلّ مكان. النتيجة أنّنا نبني قراراتنا على عيّنةٍ مبتورة من الناجين، مضروبةٍ في ميلنا إلى تصديق ما نحبّ، فنستهين بالخطر ونبالغ في الفرصة معًا.
الدواء: البحث عن الغائب
علاج هذين التحيّزين يبدأ بعكس السؤال. بدل أن نسأل «ما الذي يؤكّد فكرتي؟» نسأل «ما الذي يكذّبها، وأين المقبرة التي لا أراها؟». نبحث عمّن فشل في المسار نفسه ونتعلّم منه، ونتعمّد اختبار قناعاتنا بأقوى حججٍ ضدّها. هذا التمرين على التفكير المضادّ هو جوهر ما نتناوله في درس التحيّزات المعرفيّة في التداول: أن نحرّر قرارنا من رغبتنا في أن نكون على حقّ.
رأينا كيف تنتقي عقولنا الأدلّة وتخفي الغائبين. لكنّ خدعةً أعمق تنتظرنا: ميلنا إلى تحويل الفوضى إلى قصّةٍ متماسكة. في الفصل التالي نفكّك «المغالطة السرديّة» ونرى كيف تخدعنا الحكايات التي نصنعها لتفسير ما هو في جوهره عشوائيّ.