في عام 1958، اشترى شابٌّ في الخامسة والعشرين أوّل سهم في حياته. كان السهم Procter & Gamble، والمبلغ المستثمَر بضع مئات من الدولارات، والشابّ وكيل أوراق ماليّة مبتدئ في شركة Hayden, Stone & Company في لوس أنجلوس. لم يكن أحد يعلم — ولا الشابّ نفسه — أنّ هذه الخطوة الصغيرة ستفتح، بعد ثلاثين سنة، بابًا يغيّر طريقة تحليل الأسهم في وول ستريت.
اسم الشابّ: William J. O'Neil. وهذا الكتاب الذي بين أيدينا، How to Make Money in Stocks، هو ثمرة تلك الرحلة.
من هو وليام أونيل؟
- 1933وُلد في أوكلاهوما
- 1958اشترى أوّل سهم (Procter & Gamble)
- 1962أصغر مالك مقعد في NYSE (29 سنة)
- 1984أسّس Investor’s Business Daily
- 1988نشر How to Make Money in Stocks
- 2023وفاته — وتأثيره مستمرّ
وُلد أونيل في أوكلاهوما سنة 1933، في أعقاب الكساد الكبير مباشرةً. نشأ في بيتٍ متواضع، التحق بجامعة Southern Methodist University، ثمّ خدم في القوّات الجوّية الأمريكيّة. لم يكن قادمًا من خلفيّة ماليّة، ولم يدرس الاقتصاد في جامعةٍ عريقة، لكنّه كان يملك شيئًا أهمّ: فضولًا منهجيًّا مزعجًا.
حين بدأ يشتري الأسهم، لاحظ شيئًا غريبًا: المحلّلون من حوله يعتمدون على الحدس والشائعات وتوصيات السماسرة، بينما هو يريد إجابةً بسيطة — ما الذي يميّز السهم الذي سيتضاعف عشر مرّات عن السهم الذي سيموت؟
لم يجد جوابًا مُرضِيًا في أيّ كتاب. فقرّر أن يستخرج الجواب بنفسه.
الدراسة التي وُلدت منها CAN SLIM
بين 1953 و1985، جمع أونيل بياناتٍ تفصيليّة عن أعلى 600 سهم أداءً في السوق الأمريكيّ. لم يكتفِ بأرقام نهاية السنة، بل درس كلّ سهمٍ في اللحظة التي سبقت انطلاقته الكبرى: الأرباح الفصليّة، والنمو السنويّ، ونسبة الأسهم المتداولة، وحركة السعر، وحجم التداول، ومن يملكه من المؤسسات، وحالة السوق العامّ في تلك اللحظة.
ثمّ سأل السؤال الذي لم يسأله أحدٌ قبله بهذه الطريقة: ما القواسم المشتركة؟
النتيجة كانت سبع خصائص متكرّرة. سبع علاماتٍ تظهر — تقريبًا دائمًا — قبل أن ينطلق السهم الرابح. وضع أونيل الأحرف الأولى من هذه الخصائص في عبارةٍ سهلة الحفظ:
- الأرباح الفصليّة الحاليّةنمو 18-25% على الأقلّ
- الأرباح السنويّةنمو متّسق 25%+ على 3-5 سنوات
- جديدمنتج، إدارة، أو قمّة سعريّة
- العرض والطلبأسهم متداولة أقلّ = حركة أسرع
- القائد لا التابعالقوّة النسبيّة RS > 70
- الدعم المؤسسيّصناديق، بنوك، مستثمرون كبار
- اتجاه السوقاستثمر فقط في سوق صاعد مؤكَّد
كلّ حرفٍ من هذه الأحرف يستحقّ فصلًا كاملًا — وهذا ما سنفعله في الفصول القادمة. لكن قبل ذلك، لنفهم لماذا هذه المنهجيّة مهمّة.
لماذا CAN SLIM ليست مجرّد قائمة معايير؟
في عالم التداول، تكثر القوائم. كلّ كاتبٍ يقدّم «خمس قواعد ذهبيّة» أو «عشر إشارات للشراء». لكنّ ما يميّز CAN SLIM ثلاثة أمور:
أولًا: مبنيّة على بيانات، لا على رأي
أونيل لم يبتكر نظريّة من رأسه ثمّ يبحث عن أدلّةٍ تؤيّدها. فعل العكس — درس البيانات أولًا، ثمّ استخرج النمط. هذا الفرق جوهريّ، وهو ما يسمّيه الباحثون المنهجيّة المبنيّة على البيانات (data-first)منهجيّة تبدأ من تحليل البيانات الفعليّة ثم تستخرج النمط منها، بدل وضع نظريّة مسبقة والبحث عن أدلّة تؤيّدها..
ثانيًا: تدمج المدرستين
المعركة الكلاسيكيّة في عالم الاستثمار بين التحليل الأساسيّ (Graham وBuffett: ادرس الشركة، الأرباح، الميزانيّة) والتحليل الفنّيّ (دراسة حركة السعر والحجم). أونيل قال: لماذا نختار؟ ثلاثة من حروف CAN SLIM أساسيّة بحتة (C، A، N)، وثلاثة فنّيّة (S، L، M)، وحرفٌ واحد مختلط (I). النتيجة: نظامٌ لا يتجاهل أيًّا من الجانبين.
ثالثًا: تعلّم الخروج كما تعلّم الدخول
أكثر الأنظمة تركّز على متى تشتري، وتترك المتداول وحيدًا حين يخسر. أونيل كان قاطعًا في قاعدةٍ واحدة: إذا انخفض السهم 7-8% عن سعر الشراء، اخرج فورًا، بدون استثناءات، بدون أمل، بدون «سيرتدّ». هذه القاعدة وحدها قد تكون الفرق بين متداولٍ يعيش ومتداولٍ يحترق. سنفصّلها في الفصل 10.
ما الذي تغيّر منذ 1988؟
نُشر الكتاب لأوّل مرّة سنة 1988. منذ ذلك الحين تغيّر العالم: ظهر الإنترنت، ودخلت الخوارزميّات السوق، وتضاعف عدد المؤسسات الكبرى، وظهرت أسواق العملات الرقميّة. فهل لا تزال CAN SLIM صالحةً في 2026؟
الجواب القصير: نعم، لكن مع تعديلات.
الأسس الجوهريّة لم تتغيّر — الأرباح لا تزال تقود الأسعار، والقوّة النسبيّة (RS)مقياس يقارن أداء سعر السهم بأداء السوق العام؛ قيمة أعلى من 70 تعني أن السهم يتفوّق على غالبيّة الأسهم. لا تزال إشارةً قويّة، والاتجاه العامّ للسوق لا يزال يحدّد احتمال نجاح أيّ مركز. لكنّ بعض الأرقام تحتاج إعادة معايرة:
- نسب نمو الأرباح المطلوبة قد تكون أعلى في عصر التكنولوجيا.
- «القمم الجديدة» (N) صارت أكثر تواترًا بفضل صناديق المؤشّرات ورؤوس الأموال الضخمة.
- إشارة الدعم المؤسسيّ (I) صارت أعقد مع صعود صناديق المؤشّرات السلبيّة.
سنخصّص الفصل الأخير (12) لتحديث CAN SLIM للسوق المعاصرة، بناءً على آخر الأبحاث وتجارب المتداولين العرب.
لمن هذا الكتاب — ولمن ليس؟
أونيل يكتب لمن يريد أن يستثمر في الأسهم النامية (Growth Stocks) في الأسواق الأمريكيّة بشكلٍ رئيسيّ، بأفقٍ زمنيّ يتراوح بين أسابيع وأشهر (Swing Trading) أو سنواتٍ قليلة (Position Trading).
هذا الكتاب لك إذا:
- تريد منهجًا منضبطًا لاختيار الأسهم بدل العشوائيّة.
- لديك صبرٌ لتنتظر الإعداد المثاليّ بدل القفز على كلّ فرصة.
- تتقبّل فكرة وقف الخسارة الصارم.
هذا الكتاب ليس لك إذا:
- تبحث عن سكالب لحظيّ في الفوركس أو الذهب — منهجيّة أونيل تعمل على الإطارات اليوميّة والأسبوعيّة.
- تتداول العقود الآجلة أو العملات الرقميّة فقط — CAN SLIM مصمّمة للأسهم.
- تكره فكرة وقف الخسارة — لن تستفيد من النظام إذا كسرت قاعدته الذهبيّة.
ملاحظة من أُسس ماركتس: كثيرٌ من قرّائنا يتداولون في أسواق الفوركس والذهب. الأدوات لا تُنقل حرفيًّا، لكنّ عقليّة CAN SLIM — البحث عن الإعداد عالي الاحتمال، والانتظار، والانضباط، والخروج بخسارةٍ محدودة — تنتقل بالكامل. خذ المنهج، وعدّل الأدوات.
ما الذي ستتعلّمه في الفصول القادمة؟
الكتاب رحلةٌ من 12 محطّة، نوزّعها كالتالي:
- الفصل 2 — كيف تقرأ الرسم البيانيّ قبل أن نلمس CAN SLIM.
- الفصول 3 إلى 9 — حرفًا بحرف: C، A، N، S، L، I، M.
- الفصل 10 — متى تبيع بخسارة؟ قاعدة 7-8%.
- الفصل 11 — متى تجني الأرباح؟ قاعدة 20-25%.
- الفصل 12 — CAN SLIM في 2026: ماذا تغيّر؟ وكيف نطبّقها على السوق المعاصرة.
في الفصل القادم، نتعلّم أبجديّة الرسم البيانيّ — لأنّ أونيل، رغم تركيزه على الأرباح، كان يقول: «كلّ ما أحتاج معرفته عن السهم موجودٌ في رسمه البيانيّ، إذا عرفتُ كيف أقرؤه.»