قبل أن نبني بيتًا نحتاج إلى مواد بناء. وقبل أن نقدّر قيمة أيّ أصل نحتاج إلى فكرتين بسيطتين لكنّهما تحملان ثقل التقييم كلّه: أنّ للنقود قيمةً تتغيّر بمرور الزمن، وأنّ للمخاطرة ثمنًا يطالب به المستثمر. يقدّم داموداران هاتين الأداتين في لغةٍ مبسّطة، ونحن هنا نعيد صياغتهما بأمثلةٍ توضيحيّة بأرقامٍ مدوّرة، فالهدف فهم المبدأ لا حفظ معادلة.
دينار اليوم أثمن من دينار الغد
لو خُيّرت بين أن تقبض مئة دينارٍ الآن أو مئةً بعد سنة، لاخترت الآن بلا تردّد. لماذا؟ لأنّ المال الحاضر بين يديك يمكن أن يُستثمَر فيكبر، ولأنّه مضمونٌ بينما المستقبل مؤجّلٌ ومحتملٌ أن يتغيّر. هذه هي فكرة القيمة الزمنيّة للنقودمبدأٌ يقرّر أنّ مبلغًا من المال في الحاضر يستحقّ أكثر من المبلغ نفسه في المستقبل، لأنّ المال الحاضر يمكن استثماره ليكبر ولأنّه مضمونٌ بينما المستقبل مؤجّلٌ وغير مؤكّد.. وبناءً عليها، إذا أردنا أن نعرف كم يستحقّ اليوم مبلغٌ سنقبضه بعد سنوات، وجب أن «نخصمه»، أي نُنقص منه بمقدارٍ يعكس انتظارنا. فمئةٌ بعد سنة قد تساوي اليوم بضعةً وتسعين فقط. وكلّما بعُد الموعد كبُر الخصم وصغرت القيمة الحاليّة.
عمليّة الخصم في صورةٍ بسيطة
الخصمعمليّة إعادة مبلغٍ مستقبليّ إلى ما يعادله من قيمةٍ في الحاضر، بتطبيق معدّلٍ يعكس تكلفة الانتظار والمخاطرة؛ كلّما بعُد موعد المبلغ أو زادت مخاطرته، صغرت قيمته الحاليّة. هو ببساطة عكس النموّ. فكما ينمو مبلغٌ نستثمره بمعدّلٍ سنويّ ليصبح أكبر بعد سنوات، كذلك نُرجع مبلغًا مستقبليًّا إلى الوراء لنعرف أصله اليوم. تخيّل معدّلًا سنويًّا قدره عشرة في المئة توضيحًا: مئةٌ نستثمرها تصير مئةً وعشرة بعد سنة؛ وعكسها أنّ مئةً وعشرة بعد سنة تساوي اليوم مئةً فقط. هذا المعدّل الذي نستخدمه في الإرجاع نسمّيه معدّل الخصم، وهو قلب التقييم النابض كما سنرى. المهمّ أن تمسك بالفكرة: المستقبل يُترجَم إلى حاضرٍ عبر بوّابة الخصم.
المخاطرة لها ثمن
تبقى فكرةٌ ثانية لا تقلّ أهميّة. ليست كلّ التدفّقات المستقبليّة متساوية في اليقين؛ فمبلغٌ تكاد تجزم بوصوله يختلف عن مبلغٍ يكتنفه الغموض. هنا تدخل علاقة المخاطرة والعائدمبدأٌ يقرّر أنّ المستثمر يطلب عائدًا متوقّعًا أعلى كلّما زادت مخاطرة الأصل، تعويضًا عن احتمال الخسارة؛ فالأصل الأشدّ خطرًا يستوجب عائدًا أكبر ليستحقّ المخاطرة به.: فكلّما زاد الخطر، طلب المستثمر عائدًا متوقّعًا أعلى ليقبل به. لا أحد يخاطر بلا تعويض. وهذا العائد المطلوب هو نفسه معدّل الخصم الذي نطبّقه على تدفّقات الأصل: فالأصل الآمن يُخصَم بمعدّلٍ منخفض فترتفع قيمته، والأصل الخطر يُخصَم بمعدّلٍ مرتفع فتنخفض قيمته. هكذا يترجم التقييم الخطر إلى رقم. وتفصيل هذه العلاقة موجودٌ في درس المفاضلة بين المخاطرة والعائد.
أداتان تصنعان التقييم كلّه
بهاتين الفكرتين نملك ما يكفي للبدء. القيمة الزمنيّة تخبرنا كيف نعيد المستقبل إلى الحاضر، وعلاقة المخاطرة بالعائد تخبرنا بأيّ معدّلٍ نفعل ذلك. كلّ تقييمٍ سنراه لاحقًا ليس في جوهره إلّا تطبيقًا منظّمًا لهاتين الأداتين: نقدّر ما سيولّده الأصل من نقدٍ في المستقبل، ثمّ نخصمه بمعدّلٍ يعكس مخاطرته. من فهم هذا فهم نصف الكتاب. والنصف الآخر تفاصيلُ تجعل التقدير أدقّ وأصدق.
الآن نملك الأدوات. في الفصل التالي نركّب منها المنهج الأشهر في التقييم: التقييم بالتدفّقات النقديّة المخصومة، حيث نصوغ الفكرة الجوهريّة كلّها في جملةٍ واحدة — قيمة الأصل هي مجموع ما يولّده من نقدٍ مستقبلًا بعد إعادته إلى الحاضر.