في كلّ عامٍ تتصدّر صناديق قوائم الأداء، فتُكتب عنها المقالات ويتدفّق إليها المال. يبدو الأمر منطقيًّا: إن كان صندوقٌ قد تفوّق، فلماذا لا نركب معه؟ لكنّ بوغل يحذّرنا من فخٍّ خفيّ في هذا المنطق، فخٍّ اسمه الارتداد إلى المتوسّط، يفسّر لماذا يتحوّل نجم اليوم إلى عاديّ الغد.
ما الارتداد إلى المتوسّط؟
الارتداد إلى المتوسّطميل النتائج المتطرّفة — تفوّقًا أو تخلّفًا — إلى العودة مع الوقت نحو المتوسّط العامّ؛ فالأداء اللامع الذي صنعه جزءٌ من الحظّ يصعب أن يدوم، ويميل الصندوق المتصدّر إلى الانحدار نحو متوسّط السوق. قانونٌ تلمسه في مجالاتٍ كثيرة: النتيجة الاستثنائيّة نادرًا ما تتكرّر، بل تميل إلى العودة نحو المعدّل. في الصناديق، حين يتصدّر أحدها عامًا بفارقٍ كبير، يكون جزءٌ من هذا التفوّق وليد ظرفٍ مؤاتٍ أو حظٍّ عابرٍ لا مهارةٍ دائمة. ومع مرور الوقت يتلاشى أثر الظرف، فيعود الصندوق إلى القطيع. هذا لا يعني أنّه سيّئ، بل أنّ لمعانه المؤقّت لم يكن دليلًا موثوقًا على تفوّقٍ مستمرّ.
الحظّ يرتدي ثوب المهارة
المشكلة أنّنا نميل إلى نسبة كلّ نجاحٍ إلى المهارة وكلّ إخفاقٍ إلى سوء الحظّ. لكن في سوقٍ يضمّ آلاف الصناديق، لا بدّ أن يتصدّر بعضها بمحض الاحتمال، تمامًا كما يربح بعض رماة النرد عدّة مرّاتٍ متتالية دون مهارةٍ خاصّة. التمييز بين الحظّ والمهارةالتفرقة بين النتيجة التي صنعها الحظّ العابر والنتيجة التي صنعتها قدرةٌ حقيقيّة متكرّرة؛ وهي تفرقةٌ صعبة لأنّ الحظّ يرتدي في المدى القصير ثوب المهارة فيخدع الملاحظ. عسيرٌ على المدى القصير، لأنّ الحظّ يبدو مقنعًا. لهذا فإنّ تصدّر عامٍ أو عامين ليس برهانًا على مهارةٍ تدوم؛ ويحتاج تمييز المهارة الحقيقيّة إلى مدىً طويلٍ نادرًا ما يملك المستثمر صبرًا عليه.
مطاردة المتصدّر
من هنا تنبع خطورة مطاردة الصندوق المتصدّر. فالمستثمر الذي يهرع إليه إنّما يدخل بعد أن تحقّق التفوّق، أي قرب ذروة الأداء التي يصعب أن تتكرّر. يشتري أملًا في استمرار اللمعان، فيجد نفسه غالبًا قد ركب الموجة عند قمّتها لا عند بدايتها. وهكذا يحصد نتيجةً أقلّ ممّا لو بقي في السوق العريض بهدوء. إنّه يلاحق ماضيًا لن يعود، ظنًّا أنّه يستبق مستقبلًا لن يأتي.
ثبات المؤشر ميزة
هنا تبرز فضيلةٌ خفيّة في صندوق المؤشر: إنّه لا يتصدّر القوائم أبدًا، لكنّه لا يقبع في ذيلها أيضًا. بينما تتقلّب الصناديق النشطة صعودًا وهبوطًا حول المتوسّط، يبقى المؤشر ملازمًا للمتوسّط نفسه بثبات. وعلى المدى الطويل، هذا الثبات المتواضع يتفوّق على معظم اللمعان المتقطّع، لأنّه يتفادى فخّ مطاردة الأداء الذي يستنزف المستثمر مرّةً بعد مرّة. البقاء قرب المتوسّط بأدنى كلفةٍ خيرٌ من مطاردة قمّةٍ تتبدّل كلّ عام.
رأينا أنّ اللمعان يخبو وأنّ مطاردته تُتعب. لكنّ عدوًّا آخر أكثر خفاءً يقتطع من عائد المستثمر النشط دون أن ينتبه: الضرائب وكثرة التداول. في الفصل التالي نرى كيف يتآكل العائد على طاولةٍ لا يراها كثيرون. وما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ تثقيفٍ لا توصياتٍ استثماريّة.